نؤمن إيمانا كاملا بضرورة تبني السياسات
اللازمة نحو الوصول لاقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص دورا هاما وقويا في الأداء
الاقتصادي، لما لهذا النهج من نتائج طيبة، والمتمثلة في الانعكاسات الإيجابية على
الاستخدام الأمثل والكفء للموارد الاقتصادية القومية. إلا أنه في المقابل لابد من
التطرق إلى مسألة غاية في الأهمية تؤكدها الدراسات الاقتصادية وهي أهمية التدخل
المدروس في ذلك الاقتصاد كشرط أساسي لنجاحه في تحقيق تنمية مستدامة والارتقاء
بمستوى توزيع الدخل بين أفراد المجتمع وغيرها من الأهداف المخططة.
فوفقا للكثير من تلك الدراسات فقد مر
موضوع تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية بعدد من المراحل، اختلف هذا الدور في كل
مرحلة من تلك المراحل. وعامة يمكن القول أن الاتجاه العام في مسار هذه المراحل كان
زيادة دور الحكومة وتدخلها في الأنشطة الاقتصادية وذلك لما تملكه من إمكانيات مالية ومؤسسية، إضافة
لذلك فقد ساهمت آراء بعض الاقتصاديين في إبراز أهمية هذا الدور، ولم يمض وقت طويل
حتى اتسعت مسئوليات الحكومة فشملت إلى جانب توفير الخدمات الأساسية، المشاركة في
النشاط الاقتصادي.
هذا وقد تمكنت الحكومات من القيام بمسئولياتها التنموية بسبب
التطور المذهل في الأدوات النقدية والمالية التي أصبحت تستخدمها لتحقيق الاستقرار،
وبما يضمن استمرار تعبئة الموارد المالية اللازمة من خلال سيطرتها على النظام
النقدي وأسواق المال. بل أصبح هذا التدخل ضرورة حتمية من أجل حماية مستوى النشاط
الاقتصادي والدخل القومي، وأنه في غياب هذا الدور تتعرض اقتصاديات الدول إلى مشاكل
عديدة مثل التضخم، والانكماش...الخ.
أما حول بعض الآراء التي تناصر فكر الاقتصاديين التجاريين
فيمكن القول أنها تعود إلى عدد من القرون إلى الوراء؛ حيث ظهور تلك الأيدلوجيات ابتداء
من القرن الخامس عشر وذلك بعد موضوع ارتفاع الأسعار في الدول الأوربية بسبب زيادة
تدفق المعادن النفيسة إلى اقتصاديات تلك الدول، الأمر الذي جعل هذه الدول تعطي
أهمية بالغة لتوازن موازين مدفوعاتها مما جعلها تهتم بزيادة الإنتاج لتحقيق فائض
للتصدير للمساهمة في زيادة تدفق المعادن النفيسة إلى الداخل، ولذلك كان اهتمام
التجاريين منصب على التجارة الخارجية، الأمر الذي جعلهم ينادون بأهمية النشاط
التصديري. و طالبوا بتحسين وسائل النقل البرية والبحرية كما نادوا بمبدأ الحرية
الاقتصادية وعدم تدخل الحكومة في الشئون الاقتصادية.
وكنتيجة لذلك ساد الظن بأن كل فرد أجدر على تحقيق مصلحته وأن
المصلحة ليست إلا مجموع مصالح الأفراد، الأمر الذي قلص دور الحكومة إلى مجرد اتخاذ
الإجراءات التي تكفل حماية مصالح الأفراد داخلياً وخارجياً. أما أفكار ما يسمى ب
"المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية" والتي سادت قبل الثلاثينيات من القرن
الماضي على بعض الأفكار مثل وجود قوى ذاتية مصححة قوية تمنع حدوث فترات الركود
الطويلة في الاقتصاد، وأن الاقتصاد في ظل نظام السوق لديه الآلية الذاتية لإعادة
توازنه، وأن تلك القوى تستطيع التغلب على الهزات التي تحدث بالاقتصاد وتحركه نحو
التوازن العام؛ فإنها قد دحضت. فبرغم احتلال فكرة التصحيح الذاتي للاقتصاد القومي
أفكار الاقتصاديين فترة طويلة من الزمن فإن حدوث مشكلة الكساد الكبير عام 1929 م
قدم دليلا قاطعا على عدم صحة النظرية الكلاسيكية في هذا الجانب خاصة بعد عجز
اقتصاديات الدول عن إعادة توازنها بطريقة آلية، كما كان يدعى أولائك.
وبما أنه لم يكن هناك بد من تدخل الحكومات في إنقاذ
اقتصادياتها وإلا تفاقمت أزمة الكساد،
فقد تأكدت بما لا يدع مجال للشك أهمية تدخل
الحكومة في الأنشطة الاقتصادية، وتطلب بالفعل علاج تلك الأزمة التدخل الفعلي
الإيجابي والمدروس للحكومة وإعادة التوازن الهيكلي المختل. هذا التوجه تمثل فيما نادت
به النظرية الكينزية. ورغم التحفظ من جانب الكثير من الاقتصاديين- وهو ما نجد
لدعمه مبررات كثيرة كذلك- على التدخل الواسع؛ فإن التدخل الضروري والمدروس هو أمر
لابد منه.
ففيما عدا الخدمات العامة كالأمن والدفاع والقضاء وغيرها، والتي
يجب على الحكومة أن تضطلع بها، فإننا بلا شك لا نعني بما ذكر من تدخل تبرير قيام الحكومة
بمزاولة عمليات الإنتاج المباشر للسلع والخدمات بكل ما تعني الكلمة. إلا أن للحكومات دوراً هاماً وأساسياً في إدارة
الاقتصاد الكلي على النحو الذي يكفل الاستقرار السعري والتوازن الخارجي والتوظيف
والعدالة في التوزيع ومنع الاحتكارات الخاصة، حتى في ظل نظام الاقتصاد الحر، وهو
ما يعني ذلك التدخل الحتمي والمخطط في الحياة الاقتصادية بحيث لا يمنع تدخلها هذا قوى
السوق من أن تعمل بطريقة صحيحة، وفي نفس الوقت يتسنى لها إدارة دفة الاقتصاد بما
يتلاءم مع أهدافها التنموية. لقد أثبتت الدراسات أن الاتجاه نحو الاقتصاد الحر
المطلق (الليبرالي) والذي بدأت بعض الدول تتجه إليه منذ منتصف الثمانينيات، له
مجموعة من العيوب و الاختلالات التي استدعت تدخل تلك الدول من أجل إيجاد العلاج
الملائم لها، وذلك من خلال السياسات الاقتصادية والتشريعية المناسبة.
وبشكل عام تشير بعض الدراسات إلى أن عيوب واختلالات النظام الاقتصادي الحر المطلق تكمن في
عدد كبير من القضايا أهمها ما يلي:
1- الاحتكار.
2- تلوث
البيئة.
3- ارتفاع
أسعار السلع.
4- التهرب
الضريبي.
5- الغش
التجاري والصناعي.
6- ضعف
معدل النمو الاقتصادي.
7- تعرض
الاقتصاد لموجات الرواج والكساد...الخ.
وكان ولازال الأمل لمعالجة تلك العيوب أو للتخفيف من آثارها في
الإجراءات والأنظمة والسياسات الحكومية. فلا شك أن التطور في الأدوات والوسائل
التي يمكن أن تستخدمها السلطات الحكومية والمتمثلة في السياسات لاقتصادية بشكل عام
وأهمها السياسات النقدية والسياسات المالية، بالإضافة للسياسات التشريعية، قد ساعد في زيادة كفاءة تلك الوسائل
بحيث يمكنها تأدية مهامها تجاه تصويب الاختلالات التي يفرزها ذلك النظام الاقتصادي.
واستنادا إلى ما سبق فإن ما يثار في هذا
الجانب من مغالطات بعدم صحة التدخل الحكومي لمعالجة عدد من القضايا الاقتصادية مثل
ارتفاع الأسعار والاحتكار وغيرها، من خلال تبني سياسات نقدية ومالية وتجارية بحجة
كون اقتصادنا اقتصاد حر ليس لها ما يبررها في الواقع العملي.
فعلى سبيل المثال فإن عدم انخفاض
الأسعار على الكثير من السلع والخدمات الضرورية أمر بحاجة لمعالجة. إن هناك حقيقة
لابد من التطرق إليها أولا وهي أن انخفاض أسعار تلك السلع والخدمات لمستويات أقل
بعد زوال مسببات ذلك الارتفاع هو الأمر الطبيعي، وأنه من الثابت أيضا أن حفز تلك
الأسعار نحو الانخفاض يمكن تحقيقه، وذلك من خلال تبني عدد من الأساليب والسياسات الاقتصادية
(نقدية ومالية وتجارية) إضافة إلى السياسات التشريعية. وبشكل عام فإن الظاهرتين
الاقتصاديتين المشار إليهما في السطور السابقة، إضافة لتأثرهما بعوامل تكمن جذورها
في المعروض النقدي وسياسة توزيع الائتمان في الاقتصاد خاصة تلك المتعلقة بشريحة
القروض الاستهلاكية وتلك التي يتم منحها لأغراض استثمارية ويساء استخدامها من جانب
الأفراد في أغراض استهلاكية، بالإضافة للأمور التشريعية؛ فإنهما في الغالب تتبادلا
التأثير السلبي والايجابي على بعضهما البعض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق