الجمعة، 21 ديسمبر 2012

كواليس النظم المالية (3)

      كواليس النظم المالية(3)
         
            د/خليفة الفزاري

كنا قد انتهينا في المقال السابق إلى خلاصة مفادها أن الرقابة على بيئات الأعمال من الأهمية بمكان، ذلك لأن السياسات الرقابية بنوعيها الداخلية والخارجية لن تستطيع تحقيق أهدافها بمنأى عن استخدام أسلوب الرقابة على البيئة التنظيمية، لا شك أن هذا الأسلوب من الرقابة مغيب وغير معمول به من قبل تلك الأجهزة المنوط بها مراجعة أعمال الوحدات الحكومية. جدير بالذكر هنا أن هذه الوسيلة -أي الرقابة على بيئات الأعمال- هي إحدى وسائل ما يسمى بالرقابة الوقائية الهامة، ولو تم إعمالها لأمكن كشف الكثير من قضايا الفساد قبل وقوعها، بل أن تلك الأجهزة ستستطيع من خلال ذلك تمييز بيئات الأعمال الفاسدة وعمل ما يمكن عمله لإصلاحها، على مستويي الأفراد وأساليب أداء الأعمال والنظم المستخدمة. بل أنه حتى من خلال استخدامها الطرق التقليدية، وفي ظل اكتشاف الكثير من المخالفات والتجاوزات، فإن تلك الأجهزة غالبا ما تقف في إجراءاتها عند رد الجهات المخالفة وتبريراتها التي غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن تطبيق القواعد المالية والمحاسبية.

        إن تلك البيئات تحترف صياغة الردود على الأجهزة الرقابية، وهي في سبيل تحقيق ذلك تستعين بمن يكرس خبراته في التأليف! وأقول في التأليف لأن القانون المالي واضح و تطبيقه لا يخفى على المتمرس ولا يختلف كثيرا عن تطبيق معادلة رياضية، بل أنه ليس من قبيل المبالغة القول بأن الأمر بالفعل هو معادلة رياضية لأن الممارسات المالية في واقعها تخضع للمبادئ المحاسبية والرياضية. أضف إلى ذلك أن هناك ما يغني عن الاجتهاد فيما إذا ظهرت للمسئول مشكلة محاسبية معينة، ألا وهي استفتاء الجهات المعنية. تلك البيئات أيضا تستخدم أساليب أخرى، وهي نفسها-أي الأساليب- التي تستخدم عند رفع التقارير الداخلية على مستوى الوحدة، وقد سبقت الإشارة إليها في مقال آخر كتقديم بيانات وتقارير مغلوطة ومعلومات مبتورة. تلك التبريرات وتلكم الأساليب الإنشائية الأدبية التي لا تمت لموضوع ما أو تجاوز أو مخالفة مالية صريحة بصلة هي في حد ذاتها مخالفة.

أضف إلى ذلك وكما اشرنا سابقا، أن بيئات الإدارة الانتهازية الفاسدة ولكي تحقق مآربها تستعين بنظم مالية ومحاسبية لا توفر القدر الكافي من متطلبات ومعايير المحاسبة. –ونقصد هنا الأنظمة المالية الفرعية التي تضعها الوحدة- وليس خفي على أحد أن أي نظام مالي لا يستند إلى تلك المتطلبات والمعايير إنما هو في حقيقته ليس إلا عبث، وهو في النهاية سيكون بمثابة وكر من أوكار الفساد الذي تختفي وراء كواليسه الأيدي العابثة والممارسات الإدارية والمالية المغرضة.

بالنظر إلى أهم مكونات منظومة الأداء المالي، وكما هو معلوم: العنصر البشري ثم يأتي بعد ذلك النظام المالي وما يستند إليه ذلك النظام من قوانين ولوائح، وما يحويه من نماذج ومستندات أو ما يسمى بـ "الدورة المستندية" ومجموعة الإجراءات والقواعد المنظمة للعمل به أوما يطلق عليها بـ "الدورة الإجرائية" هاتان الدورتان المستندية و الإجرائية يتم صياغتهما وفقا للمعايير المحاسبية والمالية الموحدة والمعمول بها عالميا. ومدخلات هذا النظام وعملياته ومخرجاته سيتوافر بها بالتالي كل الشروط المطلوبة، وستكون دون شك متوافقة مع تلك المعاييرالمحاسبية والمالية. فهي ستوفر حدودا للاستخدام وفقا للمستوى الوظيفي، وهي كذلك ستحدد هوية المستخدم في كل عملية أو إجراء يقوم به ليتحمل ذلك المستخدم مسؤولية عمله، وهي توفر أداة تنبيه في حالة إساءة الاستخدام. كما أنه في ظل استخدام هذا النظام المبني على أساس المعايير الموحدة المعمول بها يستطيع المسؤول الرقابة على عمل موظفيه أولا بأول، كما أن مخرجات هذا النظام ستوفر تقارير شاملة يومية وأسبوعية وشهرية وربع سنوية ونصف سنوية وسنوية بالإضافة إلى تلك التي تكون متاحة عند الطلب. وجميع هذه التقارير تتوافر بها معايير الشفافية المطلوبة، وتكون مصاغة كذلك وفقا للمستوى الوظيفي المقدمة له تلك التقارير، بالإضافة لتلك المقدمة لجهات الرقابة الداخلية والخارجية. كما يجب أن توفر تلك الأنظمة المالية كذلك جميع المؤشرات التي تسهل للإدارة العليا اتخاذ القرارات المناسبة بكل يسر. كما انها تختزل الوقت والجهد المبذولين في الأداء. 

غير أنه في ظل تواجد نمطي الإدارة الانتهازية الفاسدة والرجعية، فإنه عند تصميم النظام المالي، يكون لا وجود لأي تطبيق من هذا النوع، ويستعاض عن تطبيق المعايير المحاسبية، بنسج كواليس وغياهب تنعدم الرؤية بها، يضل طريقه فيها كل من أراد متابعة سير العمل وماهيته والى أين يتجه.






 


الأحد، 2 سبتمبر 2012

الممارسات الإدارية المغرضة - كواليس النظم المالية

         
لأني أريد لهذا المقال أن يكون مشوقا فقد منحته هذا العنوان، وإلا فهو ثقيل، ذلك لأنه يتحدث عن إحدى مساوئ التنظيم غير الرسمي في المؤسسات.
لست هنا بصدد مناقشة تعريفات التنظيم الرسمي وغير الرسمي في أدبيات الإدارة  ومزايا وعيوب كلا منها لأنه عند ذلك سيكون غاية في الثقل، ليس لأن مادة الموضوع هي كذلك- فهي بلا شك ذات أهمية خاصة وأقول خاصة لأن القدرة على التمييز بين هذين الشكلين من أشكال التنظيم في بيئات الأعمال وبالأخص للممارسين والقائمين بأدوار الرقابة، وإدارة الجودة، والتنمية الإدارية هو بمثابة الاستعانة بمصباح في طريق مظلم- وإنما لكون هذا الموضوع ومعظم مواضيع الإدارة باتت معروفة لدى الكثير من الناس والمثقفين.  

في الوضع الطبيعي، لو أجرينا مقارنة بين الوحدات المختلفة داخل أي منظمة مستخدمين معايير كمقدار الرضا الوظيفي، والاهتمام بالتنمية البشرية، والثقافة التنظيمية السائدة، ومقدار تواجد أو حضور مؤشرات التنظيم غير الرسمي، لوجدنا أن النسب متقاربة بين معظم الوحدات، إلا أننا سنلاحظ أيضا تواجد نوع من المنظمات تتفاوت بها عند القياس تلك المؤشرات تفاوتا كبيرا، الأمر الذي يفسر على أنه دلالة واضحة على تفاوت مستويات مدراء تلك الوحدات الفرعية بها في القدرة على استخدام أساليب فن الإدارة، والكفاءة والفعالية، والمبادأة والابتكار، وتحمل المسؤولية، ومدى تعظيم مصلحة المنظمة على المصالح الشخصية والعلاقات غير الرسمية. ولو أمعنا النظر قليلا لوجدنا أن النوع الأول من المنظمات هو الأكثر انتشارا، وأن الأخير هو الاستثناء.

وكان استثناء لان القيادات الإدارية أصبحت تؤمن بأهمية الرقابة على الممارسات الإدارية في المنظمات، مستعينة بحزم من المعايير والسياسات في التقييم. الجدير بالذكر هنا أنه من خلال البحث والتحليل نجد أن تلك الوحدات الفرعية الاستثنائية في الغالب تدار بعقول خربة شبت على نوع من الثقافات التنظيمية "اللاتنظيمية" المكرسة لخدمة مصالحها الشخصية ومصالح أطراف علاقاتها، غير مكترثة بتحقيق الرسالة والأهداف التي وجدت تلك المنظمة من أجلها وسنطلق عليها "تجاوزا" هنا الإدارة الانتهازية الفاسدة، أو أن تلك العقول قد عفا عليها الزمن فتصلبت ثم تحجرت، حتى أنك لن تجد في الممارسات الإدارية لأصحابها سوى جانب الشكليات والروتين الممل ومحاربة التطوير والابتكار ومواكبة التطورات التقنية، وسنطلق عليها "تجاوزا"  الإدارة الرجعية.

ففي الحالتين الأولى والثانية أو كما أطلقنا عليهما الإدارة الانتهازية الفاسدة، والإدارة الرجعية، ستجد دون شك أنه يعشش في بيئتيهما نوع من أنواع العلاقات غير الرسمية، المختلقة عمدا في الحالة الأولى، وغالبا تكون من اختلاق المدير الأعلى ومن أراد رضاي فلينتهج نهجي ولينفذ ما أريد وله ما يريد، ومن شذ شذ إلى ناري. هكذا ينتشر هذا الوباء الخبيث بين الأفراد من المستوى الإداري الأعلى وحتى أدنى موظف في الهرم التنظيمي. فيما نجد أن العلاقات غير الرسمية تكون غير مختلقة عمدا في الحالة الثانية أي في حالة الإدارة الرجعية، إلا أنها غالبا تؤدي إلى نفس النتائج بسبب غياب رقابة المدير الأعلى وعدم وعيه وإدراكه لمقتضيات وعناصر نجاح الممارسات الإدارية ومواكبة التغيرات التقنية والاجتماعية والاقتصادية.

ما يهمنا في هذا المقال هو كيف نستطيع التعرف على وجود هذين النوعين من الإدارات؟ إن المتأمل في الممارسات الإدارية في أي تنظيم بشكل عام، ومن خلال التحليل الدقيق بدءا من الجزئيات إلى الكليات في منظومة الأداء ومدخلاتها ومخرجاتها، يستطيع التوصل حتما إلى نتيجة توضح فيما إذا كانت تلك الممارسات رسمية أم غير رسمية.

كباحث أو ممارس ستجد الكثير من الأساليب والطرق والمؤشرات التي يمكنك توظيفها للوصول للحكم إلى أي مدى ابتلي تنظيم ما بتلك الثقافات السلبية والممارسات غير الرسمية. بعض من تلك الأساليب والطرق والمؤشرات سبق ذكرها في مستهل هذه السطور. ويعتمد ذلكم التحليل على نوع الوظيفة الموكلة للوحدة الفرعية في المنظمة. سنجد أن هناك العديد من الممارسات الإدارية المغرضة والمشكلات بل والظواهر التي تطفو على السطح يستطاع من خلالها الاستدلال على وجود مشكلتي أو مرضي الإدارة الانتهازية الفاسدة، والإدارة الرجعية. ونضرب مثالا لتوضيح الفكرة: ففي الإدارة المالية مثلا ستجد أن الممارسات الإدارية في ظل تواجد هذين الداءين أو أحدها تتسم بما يلي:

* استعانة تلك الإدارات بنظم مالية ومحاسبية لا توفر القدر الكافي من متطلبات ومعايير المحاسبة.

* نزوع التوجهات الإدارية بتلك الوحدة الفرعية في المنظمة إلى أخذ مسارات نحو تحقيق أهداف ومكاسب شخصية، مادية منها ومعنوية، بحيث تكون تلك التوجهات المغرضة مختفية في غياهب وكواليس تلك النظم المالية البالية.

* يكون المدير الأعلى في الغالب قد أمضى سنين طويلة في وظيفته في موقعه ذاك بحيث يكون قد كون علاقات غير رسمية غاية في الحجم والتعقيد على مستويي بيئة المنظمة الداخلي والخارجي، غالبا ما يعتنق من خلالها توجهات إدارية مغرضة وبعيدة كل البعد عن أهداف المنظمة، وذلك لتحقيق تلكم المنافع المادية أو المعنوية.

* هذه التوجهات أو الممارسات الإدارية الموجهة لتحقيق تلك المنافع المادية أو المعنوية وهي تنساب خلال خطوط السلطة لن تخلو من واحد من الأمرين التاليين:

          - أنها تحمل في طياتها منفعة مادية أو معنوية لواحد من أطراف السلطة في المنظمة.
          - أنها تحمل في طياتها منفعة مادية أو معنوية لطرف خارج أطراف السلطة في المنظمة.

* الاستعانة بطرق وأساليب لأداء الأعمال المالية لا توفر ابسط متطلبات الشفافية و فضفاضة ومن الضعف والوهن بمكان في مستوى الكفاءة والفعالية.

* تطغى عليها مركزية اتخاذ القرارات، وتكون قراراتها ذات نزعة نحو تهميش الإدارة العليا والجهات الأخرى ذات الصلة، حيث يتم ذلك بعدة طرق غالبها غير مباشرة من خلال رفع مذكرات وتقارير تحتوي على بيانات ناقصة ومعلومات مبتورة، وعدم توفير التقارير المالية في الوقت المطلوب وبالهيئة والشروط والمعايير المطلوبة.

* انتهاج سياسات لمواجهة وإجهاض أي مبادرة تسعى لتطوير ورفع درجة الشفافية في أنظمة وطرق وأساليب أداء الأعمال المالية.
                                                                      
*  لا تتم في هذه البيئات غالبا الترقيات على أساس الكفاءة بل يفوز بالمراكز الوظيفية من يركب الموجة ويعتنق تلك العقيدة الفاسدة.

*  وهناك مؤشر غاية في الأهمية لمعرفة وتحليل عملية تطور مثل هذه الثقافة في أي منظمة وهي الاطلاع وتتبع المزايا والمكافآت والمهام الممنوحة حيث وجد أنها تكون محصورة بين أطراف تلك العلاقة، إلا من فتات لمخالفيهم من باقي الأفراد لذر الرماد في العيون.

*  عدم الاكتراث بكل ما يصدر من توجيهات وسياسات تحث على تطوير وتنمية الموارد البشرية، حتى وإن صدرت تلك التوجهات والسياسات من رئيس الوحدة أو من جهات مختصة من خارج المنظمة.

*  والذي يمعن النظر في سجل العاملين بهاتين البيئتين سيجد أن الممارسات الإدارية السلبية المغرضة بها تمثل وسيلة طرد للعقول والكفاءات بشكل عام وكذلك لكل من يترفع عن تلك الثقافة الفاسدة، أو من تسول له نفسه الخروج بأي مبادرة لتطوير وسائل وطرق أداء الأعمال المالية ورفع مستويات الشفافية والكفاءة واختزال الوقت والجهد في أداء تلك الأعمال.

*  كما تتسم هذه البيئات كذلك بالغموض وعدم دقة وشمولية مخرجات الأنظمة المالية بها، من تقارير ونتائج أعمال ومؤشرات قياس الأداء، وبالتالي عدم تمكن الإدارة العليا من الوقوف على تلك النتائج والأداء الفعلي، الأمر الذي ينعكس كذلك على الجهات الرقابية.  

الخلاصة أن بيئات العمل والثقافات السائدة بها تؤثر تأثيرا غاية في الأهمية على إدارة وتنمية الموارد البشرية، وكذلك على مستويات الكفاءة في استخدام الموارد ومكافحة الفساد بكل أنواعه، الأمر الذي يستدعي معه الاهتمام بالرقابة على بيئة العمل وتحليلاتها. 

                                                                                                        
* خبير مالي و أكاديمي
khalifaalfazari@yahoo.com

العلاقة بين الادخار والاستثمار في اقتصادنا



يعرف الفكر الاقتصادي الاستثمار بأنه عبارة عن الجزء من الدخل الذي لا يستهلك وإنما يعاد استخدامه في العملية الإنتاجية في أي اقتصاد. ولا شك أن أحد شروط التوازن الاقتصادي هو تساوي معدلات الاستثمار المستهدف مع معدلات الادخار. ولذلك يكون الاقتصاد في حالة من عدم التوازن إذا لم تغطي معدلات الادخار معدلات الاستثمار المطلوبة. فالادخار يعتبر تسرباً من الدخل القومي بمقدار ذلك الجزء الذي لا ينفق على السلع والخدمات، والاستثمار ما هو إلا إضافة إلى تيار الإنفاق، حيث يضاف الإنفاق الاستثماري إلى الإنفاق الاستهلاكي.

وزيادة الادخار على الاستثمار تسبب انخفاضاً في مستوى الدخل القومي والإنتاج، وذلك لسبب بسيط وهو تسرب جزء من الدخل والذي يمثل هنا الادخار دون أن يتم استثماره كاملاً، أي لم يضف كاملاً إلى تيار الإنفاق. أما زيادة الاستثمار على الادخار فتؤدي إلى زيادة مستوى الدخل والإنتاج لأن ما أضيف إلى تيار الإنفاق يزيد على ما تم استقطاعه من تيار الدخل، وعلى هذا يحدث التوازن فقط عندما يتساوى الادخار مع الاستثمار.

كما أن اتخاذ القرار بالقيام بالاستثمار سواء من قبل الدولة أو المشروعات أو الأفراد يعني الأخذ في الاعتبار عنصرين هامين هما: التكاليف الحالية لعوامل الإنتاج بصفة عامة والعائد الذي يمكن تحقيقه من ذلك الاستثمار. وبذلك فإن الاستثمار يعد منتجاً إذا كانت قيمة العائد أكبر من التكاليف وبالعكس. وعليه يمكن القول أن الاستثمار المنتج هو الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد القومي. فعندما يتمثل الاستثمار من وجهة نظر الفرد - على سبيل المثال -  في توجيه المدخرات نحو شراء أرض أو منزل أو مصنع موجود فعلاً فإن هذه الصورة لا تعد استثماراً من وجهة نظر الاقتصاد القومي. ذلك لأنها لا تعدو كونها انتقال ملكية أصل من فرد إلى فرد دون أي إضافة لممتلكات الاقتصاد القومي. ومن ثم فليس هناك تغييراً إيجابياً في القدرة على زيادة الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف. وينطبق ذلك تماماً على الاستثمارات الحكومية، إذ ليس كل استثمار حكومي يساهم في زيادة الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف.
وتأسيسا على ما سبق فإن الاقتصاد الوطني يجب أن يتسم بـ:
1-  زيادة الموارد المخصصة للتكوين الرأسمالي وبالأخص ذلك الذي يرفع من الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف.
2-  انخفاض الفجوة بين معدلات الادخار والاستثمار حفاظاً على التوازن الاقتصادي اللازم.
وفيما يتعلق بالأمر الأول، فقد أولت السلطنة اهتماماً كبيراً لموضوع التكوين الرأسمالي  البشري والمادي، وقد حققت حتى الآن مستويات عالية من تلك الاستثمارات بنوعيها.

           
عليه فإن من الأهمية بمكان أن نحافظ على هذا النهج الذي انتهجناه خلال السنوات الماضية وحتى الآن من مسيرتنا التنموية. ذلك أن موضوع استهداف معدلات كبيرة من الاستثمارات من خلال الدخول في مشاريع تعتمد بشدة على الاستثمارات الأجنبية نتيجة عجز معدلات المدخرات القومية كما هو الحال بالنسبة لبعض المشاريع المعلن عنها مؤخرا؛ هو أمر يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالتوازن الاقتصادي.    


فعلى مستوى معدلات الادخار الإجمالية، فإن العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى تزايد معدلات الاستهلاك العائلي، أدى كل ذلك إلى تدني مستويات المدخرات نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويعود تراجع معدلات الادخار القومي - إضافة إلى ما سبق -  إلى العديد من العوامل الأخرى منها اقتصادية مثل تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب، وتحويلات العمالة الوافدة...الخ. ومنها عوامل اجتماعية مثل السلوك الادخاري السلبي وقلة الوعي بأهمية الادخار وغيرها من الأمور.

والثابت انه إذا زادت الفجوة بين الادخار والاستثمار في اقتصاد ما وعمد هذا المجتمع إلى تغطية تلك الفجوة الكبيرة بمدخرات أجنبية فإن هذا الاقتصاد يكون اقرب إلى التحول إلى ما يسمى باقتصاد الفقاعة نتيجة اعتماده بشدة على الاستثمار الأجنبي وإمكانية دخوله في دوامة لا تنتهي من الاقتراض الخارجي مع ما يتبع ذلك من أزمات اقتصادية وتدخلات غير مرغوبة والتي يمارسها عادة الدائنين في خصوصيات البلدان المدينة.

 وقد عزى عدد من المحللين الاقتصاديين أزمة دول شرق وجنوب شرق آسيا والتي أطلق عليها-أي تلك الدول- حتى قبيل الأزمة التي تفجرت عام 1997 بـ "النمور الآسيوية" وكذلك " دول المعجزة الآسيوية"؛ عزوه إضافة إلى تدخلات المستثمرين الأجانب، إلى قصور معدلات الادخار مقارنة بمعدلات الاستثمار المستهدفة ولجوء تلك الدول إلى تغطية فجوة مواردها بالمدخرات الأجنبية (استثمارات أجنبية واقتراض خارجي).

فعلى سبيل المثال، في إندونيسيا زادت هذه الاستدانة من 84.9 مليار دولار عام 1992 إلى 137.4 مليار عام 1997، وفي كوريا الجنوبية ارتفع حجم المديونية من 63.8 مليار دولار عام 1992 إلى 157.2 مليار دولار عام 1997، أما في تايلاند فقد ارتفع حجم المديونية من 43.4 مليار دولار عام 1992 ليصبح 95.8 مليار دولار في عام 1997.
وبشكل عام فإن حجم الاستدانة لتلك الدول ومعدلات الاستثمار الأجنبي استمرت في الزيادة إلى وقت تفجر الأزمة، بالرغم من أنها كانت تعتبر مثالاً يحتذى به في حسن التدبير وكفاءة استخدام الموارد والإدارة المالية الناجحة.
  

موجة الاستهلاك البذخي في مجتمعنا إلى أين؟


موجة الاستهلاك البذخي في مجتمعنا إلى أين؟

توضح الدراسات الاقتصادية بما لا يدع مجال للشك الدور الخطير الذي تقوم به المدخرات الوطنية في تمويل برامج و خطط التنمية و دعم عملية التكوين الرأسمالي، وأن محاولات الاعتماد على المدخرات الأجنبية لتحل محل المدخرات الوطنية ليس هو الحل الأنجع، لما يتصف به تدفق الموارد الأجنبية من عدم الثبات والخضوع لاعتبارات مختلفة يصعب التحكم بها.
ويعاني مجتمعنا في السلطنة من نزعة استهلاكية عارمة بسبب تفشي عدد من العادات والسلبيات بين أفراده مثل أنماط الاستهلاك المظهري والتفاخري، والتقليد والمحاكاة وانخفاض إنتاجية الأفراد، ذلك أن ارتفاع معدلات الاستهلاك بهذا القدر أبعد ما تكون تعبيراً عن الإنتاجية الحقيقية لجهود المجتمع. ومما هو جدير بالملاحظة أن هذا المستوى وهذا النمط من الاستهلاك الترفي طارئ على مجتمعنا، لا يمت بصله إلى نمط  الاستهلاك التقليدي. وهنا يتطلب الأمر- كما سيرد في نهاية الحديث- جهد من المجتمع ككل أفرادا ومؤسسات لإعادة غرس تلك الفضائل التي فقدت وضيعت مثل الادخار والابتعاد عن التبذير والإسراف وغيرها.
     كما أن الانفتاح على العالم الخارجي وما نتج عنه من سهولة تدفق  الواردات أدى في واقع الأمر إضافة إلى رفع معدلات الاستهلاك إلى تعطيل الإنتاج المحلي -خاصة الصناعات الصغيرة والحرفية التي تعد بمثابة نقطة تحول لتنمية مجتمعية وأسر منتجة وصولا لقطاع صناعي راسخ - بسبب انخفاض أسعار هذه المستوردات خاصة تلك التي ترد من شرق وجنوب شرق آسيا وما تسببه من منافسة للمنتج المحلي، نظراً لانخفاض التكلفة في تلك البلدان، خاصة فيما يتعلق بعنصر العمل.
لابد لنا أيضا أن ندرك أن مستوى الاستهلاك ونمطه السائد حالياً في المجتمع غالبا ما يمثل تحدياً وعائقاً للتنمية لما يترتب عليه في الغالب من تقليل إمكانية خلق النشاطات الاقتصادية نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة وتزايد تكلفة الأيدي العاملة إلى الحد الذي لا تبرره إنتاجية هذه النشاطات، إضافة إلى فرض احتياجات غير أساسيه على المجتمع تتطلب استيراد سلع وخدمات لإرضاء الاستهلاك الترفي. ولاشك أن هذه الاحتياجات الطارئة وغير الأساسية تحمل المجتمع حالياً ومستقبلاً تبعات اقتصادية واجتماعية في وقت قد تعجز القدرة الاقتصادية للمجتمع عن مواجهة استمرارها.
وبإلقاء نظرة خاطفة على معدلات الاستهلاك الخاص يلاحظ ارتفاع مستواها بشكل مذهل في ظل وجود ارتفاع في معدلات الدخول. وهذا بدون شك يعطي مؤشرا خطيرا أن الأفراد ينزعون إلى الاستهلاك بشدة وينفقون كل الزيادة التي تطرأ على دخولهم أو معظمها.
من زاوية أخرى يشبه الاقتصاديون النظام المصرفي بنظام الدورة الدموية في جسم الإنسان، يمثل البنك المركزي القلب وتقوم الشبكة المصرفية بدور الشرايين والأوردة التي توصل الدم إلى أية نقطة في الجسم. ولا شك أن من أولى مهام النظام المصرفي تمويل الاقتصاد الوطني جنباً إلى جنب مع المصادر الرئيسية الأخرى كموازنة الدولة على سبيل المثال. وقد اتفقت الدراسات الاقتصادية التي تناولت دور السياسة النقدية في النشاط الاقتصادي على الدور الذي يقوم به البنك المركزي في تحقيق الاستقرار النقدي في الاقتصاد، وتمويل عملية التنمية الاقتصادية وتعبئة المدخرات.
ويستطيع البنك المركزي تنفيذ هذه السياسة من خلال الرقابة على الائتمان نوعاً وكماً، والرقابة على الائتمان ما هي إلا التأثير على أوجه استخدام الائتمان المصرفي من حيث الاتجاهات والمسارات التي توزع فيها المصارف التجارية ومواردها النقدية بصيغة قروض واستثمارات مصرفية بمختلف أنواعها وأشكالها. ويعود سبب تبني البنك المركزي لمثل هذه السياسة لرغبته في تلافي العيوب والنواقص التي يمكن أن تنشأ من جراء تخصيص الموارد المالية غير السليم بين القطاعات الاقتصادية المختلفة. ويملك البنك المركزي عدة أنواع من الأدوات والوسائل التي تعينه على تنفيذ ذلك منها:
1-  أسعار الفائدة التمييزية التي تتمثل في تحديد أسعار الفائدة على القروض ، بحيث تتباين هذه الأسعار من قطاع لآخر بهدف تقليص حجم القروض الموجهة لبعض القطاعات وخاصة القطاعات غير الإنتاجية وبالمقابل تنشيط القطاعات الإنتاجية.
2-  تخصيص الموارد الائتمانية بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
إن النظريات الحديثة في التنمية الاقتصادية تؤكد على أهمية توفير الائتمان الكافي لتحقيق معدلات نمو عالية، وهو - أي الائتمان - يجب أن يكون ضمن أولويات الجهاز المصرفي، إذ أنه يعد حجر الأساس في أحداث التغير والتنمية، وتؤكد أهمية السياسة التمويلية وما يترتب عليها من توفير المدخرات اللازمة لأوجه الاستثمار المختلفة بشكل كفء، وأن أي قصور في توفير التمويل اللازم يعتبر عائقا للنمو ويؤدي إلى آثار سيئة على مستويات الإنتاج والإنتاجية في المجتمع.
ويستوي الحال إذا ما شاب عملية تخصيص الموارد الائتمانية بين القطاعات الاقتصادية المختلفة أوجه قصور، كأن تستحوذ القطاعات الاستهلاكية أو تلك القطاعات غير الإنتاجية على غالب الموارد ولا يكن نصيب القطاعات الإنتاجية من الائتمان إلا الفتات. وهذا يحدث غالبا كنتيجة لوضع الجهاز المصرفي معيار الربحية والعائد المضمون فقط أساسا لخطط الإقراض.  مثل هذا القصور في واقع الأمر يمكن مواجهته عن طريق وضع ضوابط صارمة على عملية التوزيع بحيث تكون انتقائية ولو بشكل جزئي، وبحيث يتم توجيه قدر كافي من تلك الموارد الائتمانية للقطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة والصادرات.
ولنعطي مثالا واضحا على أهمية سياسة تخصيص الائتمان في توجيه الموارد، فعند تخصيص نسبة كبيرة من محافظ البنوك للقروض الشخصية فلا يخفى على أحد أن جل تلك الموارد ستنفق هدراً في أغراض استهلاكية بحتة بل وسينفق معظمها على شراء السلع الواردة، الذي سيؤدي إلى زيادة مستوى الواردات وتشكيل ضغوط على احتياطي المجتمع من النقد الأجنبي، إضافة إلى ما تفرزه هذه الظاهرة الخطيرة من مشاكل عديدة في المجتمع مثل العيش بمستوى حياة لا تتلاءم مع الإمكانات المادية، والميل المستمر للاقتراض وإعادة الاقتراض واختفاء السلوك الادخاري للفرد، وعدم قدرة الأفراد على الموازنة بين تكاليف وأقساط الدين الشهرية وإمكاناتهم المادية، إضافة إلى أن مبالغ طائلة من التسهيلات ستوجه إلى المضاربات.
لا شك إذن أننا بحاجة كأفراد إلى زيادة الوعي بالمشكلة وآثارها الوخيمة بنوعيها الاقتصادية والاجتماعية من خلال برامج مؤسسية تضع نصب أعينها إيجاد حلول جذرية وقابلة للتطبيق من خلال خطط وبرامج متكاملة محددة الأهداف والمراحل مسبقا. 


انعكاسات ارتفاع تحويلات العمالة على ميزان المدفوعات والادخار القومي



لاشك أنه يحسن هنا الاستهلال بالتعريف بميزان المدفوعات ومكوناته من الحسابات لأهمية ذلك في التفرقة بين الآثار المترتبة على كل مكون من تلك المكونات، حيث يعرف الفكر الاقتصادي ميزان المدفوعات بأنه سجل تدرج فيه المعاملات الاقتصادية التي تتم بين الأفراد ومنظمات الأعمال والحكومة في بلد معين من جانب، مع العالم الخارجي خلال مدة معينة عادة تكون سنة، وأهم مكونات ميزان المدفوعات هي: الميزان التجاري، وميزان العمليات الجارية، وميزان حساب رأس المال، والميزان الكلي. ويوضح الميزان التجاري رصيد الصادرات والواردات، ولقد كان ولا يزال يحقق فائضاً في ميزان المدفوعات العماني- فيما عدا عام 1998م- ويشكل النفط أكبر حصة في صادرات السلطنة تبلغ 81%. وأما ميزان العمليات الجارية فإنه يوضح حسابين هما : الميزان التجاري، وحساب الخدمات والتحويلات. والأخير يتكون من الخدمات مثل (التأمين والسفر والشحن والاتصالات...الخ)، وتحويلات أرباح المستثمرين الأجانب وتحويلات البنوك إضافة إلى تحويلات العاملين الأجانب، ورصيده خلال السنوات الماضية كان يتذبذب بين العجز والفائض. وأما ميزان حساب رأس المال فيتكون من ثلاثة أجزاء وهي رأس المال الرسمي ورأسمال القطاع النفطي ورأسمال البنوك التجارية ويتأثر حساب رأس المال في السلطنة بتحركات رأس المال الرسمي المتمثلة في القروض الحكومية، وأما الميزان الكلي فإنه يتمثل في النتائج الصافية للموازين الثلاثة المذكورة، وقد كان رصيده خلال الفترة متقلبا في الغالب بين العجز والفائض.
ومن أهم ما يعاني منه ميزان المدفوعات العماني من اختلالات هو اختلال هيكلي يرتبط بهياكل الإنتاج والدخل والتوظف في الاقتصاد، والذي يتمثل في:
1 – ارتفاع مستويات تحويلات العمالة الوافدة.
2 – ارتفاع مستويات تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب.
3 – اعتماد الصادرات بشدة على منتج واحد وهو النفط.
4- النمو المضطرد في مستوى الواردات.
وهنا سيتم تناول الموضوع الأول والثاني بشئ من المناقشة والتحليل مع التركيز على انعكاسات تحويلات العمالة على ميزان المدفوعات ومعدلات الادخار القومي.
يلاحظ من خلال النظر إلى هيكل ميزان مدفوعات سلطنة عمان أنه يعكس تلك المشكلات المشار إليها، فمن خلال أرقام التحويلات إلى الخارج (تحويلات العمالة الوافدة) يتضح أن البلد يعتمد بشدة على العمالة الوافدة، ومن خلال مستويات تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب يعرف كبر حجم حصة الأجانب في الأرباح المتحققة في السوق المحلية.
فبالرغم من الفوائض التي يحققها الميزان التجاري للسلطنة، بشكل دائم، فإن ميزان الحساب الجاري عانى من سلسلة من العجوزات بصفة مستمرة خلال السنوات الماضية وتلتهم تحويلات الأرباح وتحويلات العمالة الوافدة حصة كبيرة جداً من ذلك الفائض الذي يحققه الميزان التجاري، وبذلك يتحول غالبا الفائض في الميزان التجاري إلى عجز في ميزان الحساب الجاري باستثناء الفترات التي يرتفع فيها مستوى عائدات النفط كما هو الحال في الفترة الأخيرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وبالرغم من كبر حجم تحويلات الأرباح وارتفاع مساهمتها في عجز ميزان الحساب الجاري، إلا أن تحويلات العمالة إلى الخارج لعبت دوراً أكبر في ذلك العجز.
وتتميز السلطنة بأنها تواجه تدفقاً للمهاجرين إلى سوق العمل شانها في ذلك شأن الدول الأخرى المصدرة للنفط ،هذا التدفق يمكن القول أنه تدفقاً صافياً إلى الداخل، وبالطبع فإن هذا يترتب عليه وجود تدفقاً لتحويلات هذه العمالة صافياً نحو الخارج. ولاشك أن هذه التحويلات تمثل استنزافا لمصادر الصرف الأجنبي المتاحة للدولة وبالتالي فإنها تمارس آثارا سلبية على ميزان المدفوعات، خصوصاً في  الأوقات التي تكون فيها موارد الصرف الأجنبي محدودة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل ميزان المدفوعات يتسم بنوع من عدم الاستقرار.
ويرى الكثيرون أن حجم التحويلات لهذه العمالة يعتمد على عدة عوامل منها نظرة الدولة المستوردة للعمالة إلى تلك التحويلات من حيث القيود الرقابية التي تفرضها على عمليات التحويل، فعلى سبيل المثال هناك دول تشترط ألا يزيد ما يتم استبداله عن عملتها المحلية إلى عملات أجنبية للعمالة الوافدة عن نسبة معينة من إجمالي الأجور السنوية لهذه العمالة، كان تكون مثلاً هذه النسبة 60% أو 70% من الدخل السنوي للوافد، وهو أمر يقابل تنفيذه بلا شك عدة صعوبات. كما أن هناك عوامل هامة جداُ تشجع هذه العمالة على إبقاء مدخراتها داخل البلد المضيف مثل درجة الأمن والاستقرار- وهذا بلا شك ولله الحمد متوافر في السلطنة. كذلك معدلات العائد على الأصول الاستثمارية، خاصة ذات السيولة المرتفعة منها وهنا تستطيع السياسة النقدية أن تعلب دوراً هاماً في اجتذاب مدخرات العمالة الوافدة، عن طريق تبني سياسات نقدية وحوافز مناسبة لجذب أكبر قدر من هذه المدخرات.
وتبذل السلطنة منذ فترة طويلة جهود كبيرة لإنجاح سياسة التعمين  التي تبنتها، ولاشك أنها حققت نتائج كبيرة جدا خاصة في القطاع الحكومي، إلا أن القطاع الخاص لازال التعمين به -قياساً بحجم العمالة الوافدة- لم يصل لتلك المستويات المستهدفة في الخطط التنموية.ولاشك أن السلطنة لو استطاعت تعمين هذا القطاع فإنها ستكون بذلك قد حققت هدفين في آن واحد، فإلي جانب تحقيق هدف توظيف العمانيين فإنها ستوقف نزيف ميزان الحساب الجاري إضافة إلى النهوض بمستويات الادخار القومي.
وفيما يتعلق بتطور العلاقة بين التحويلات الجارية وبين رصيد ميزان الحساب الجاري والمدخرات القومية، فإنه بإلقاء نظرة خاطفة على ميزان المدفوعات العماني خلال الفترة من عام 1981م إلى 2007م يلاحظ ما يلي: 

-      رصيد الميزان التجاري كان يحقق فائضاً خلال الفترة باستثناء عام 1998.
-      أن رصيد ميزان الحساب الجاري يتآكل بفعل صافي التحويلات السلبي.
-  يتأثر الميزان التجاري كثيراً بانخفاض أسعار النفط ليعكس مشكلة اعتماد الاقتصاد بشدة على الإيرادات النفطية.
-    يمكن القول أن تحويلات المستثمرين الأجانب رغم أنها متزايدة إلا أن هذا التزايد لم يكن بنفس مستوى تزايد تحويلات العمالة الوافدة الأمر الذي يوحي بتزايد خطورة وأثر هذه الأخيرة.
-   تحويلات العمالة الوافدة سجلت في بداية الفترة مبلغ 191 مليون ريال عماني، إلا أنها تسجل أكثر من (1,400,000000) مليار فاصل أربعة، مواكبة بذلك حجم تلك العمالة المتنامي الذي وصل إلى مستويات مرتفعة مؤخرا.
-   وبمقارنة صافي تحويلات العمالة الأجنبية مع الحسابات القومية خلال نفس الفترة، يتضح كذلك تآكل المدخرات المحلية بفعل صافي التحويلات السلبي وذلك من خلال النظر إلى الفرق بين مستويات المدخرات المحلية المحققة والمدخرات القومية .
كما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن تحويلات العمالة الأجنبية لا تتأثر انخفاضا بانخفاض إيرادات النفط، ويتضح ذلك بالنظر إلى رصيد الميزان التجاري في العامين اللذين تدهورت فيهما عائدات النفط بشدة وهما 1986 و 1998 ، وغني عن البيان ما في ذلك من مخاطر ، ذلك أن الاقتصاد يكون عندئذ في أمس الحاجة إلى النقد الأجنبي، بينما تحول تلك المبالغ (صافي التحويلات) بالعملات الأجنبية إلى خارج البلاد ، الأمر الذي يؤدي إلى الضغط الشديد على احتياطات الدولة، وبالتالي يضيف عنصرا آخر إلى قائمة مخاطر هذه التحويلات.

الأزمة المالية ودورا لإدارة المالية العامة في تمويل التنمية



يؤكد خبراء الإدارة المالية العامة أن عملية تمويل الاستثمارات في خطط التنمية تعتبر من أهم الأعمال التي يسعى القائمون على الإدارة المالية العامة في أي دولة إلى توفيرها بالقدر المطلوب، لمقابلة الاستثمارات المخططة وفي التوقيت المناسب وفقاً للجدول الزمني المعد للتنفيذ. وأهميتها والحاجة إليها وقت الأزمات بلا شك تتعاظم. وتقع هذه المهمة في إطار ما يعرف بالتخطيط المالي الذي يقصد به "تخطيط التدفقات المالية بما يتناسب مع التدفقات الحقيقية في الاقتصاد القومي". والتنسيق بين التدفقات المالية والتدفقات الحقيقية إنما يتضمن شقين:
-         الشق الأول: هو تدبير الموارد المالية أو ما يسمى بتمويل التنمية.
-         الشق الثاني: وهو تخصيص هذه الموارد إلى القطاعات المختلفة حسب احتياجات كل منها.
والمقصود هنا هو الشق الأول، بهدف بحث أوجه ومصادر التمويل المتاحة أمام الإدارة المالية للقيام بدورها في تدبير الموارد للقطاعات المطلوب تمويلها.
إن تمويل التنمية يعتمد على الثلاثة مصادر الآتية:
1-  الادخار المحلي.
2-  موارد التجارة الخارجية.
3-  الموارد الخارجية للتمويل.
وفيما يلي توضيح لكل من هذه المصادر باختصار:

1-      الادخار المحلي:
 وقد سبق في تحليلات أخرى الحديث عن دوره في تمويل التنمية وأساليب تعبئته.


2- موارد التجارة الخارجية:
وتتوقف مساهمة هذا القطاع في تمويل التنمية على عدة عوامل منها:
أ‌-     درجة الانفتاح على الخارج. وقد حققت السلطنة مستوى عال من الانفتاح على العالم بلا شك.
ب‌-  مدى التغير في معدلات التبادل لصالح الاقتصاد القومي. وهنا نضع خطا تحت هذا البند.
ذلك أن هناك إجماع بين الاقتصاديون على أن نماء الصادرات يشكل عاملاً أساسياً في تحديد مستوى النمو الاقتصادي، حيث أن حصيلتها تمثل المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي اللازم لدعم الاستثمارات المطلوب تنفيذها. وهكذا تعتبر الصادرات قطباً للنمو، وهي بلا شك قطاعاً قائداً كما يطلق عليها اقتصاديو التنمية.
ومن المعلوم أن الزيادة في حصيلة الصادرات تؤدي إلى زيادة الدخل القومي وهذه تؤدى إلى زيادة الإنفاق القومي فيزداد الطلب على السلع والخدمات، الأمر الذي يشجع المستثمرين لزيادة استثماراتهم، وهو ما قد ينتج عنه انتعاش الاقتصاد القومي بصفة عامة. وغني عن البيان أن العكس تماماً سيحدث في حالة انكماش حصيلة الصادرات. إن الاهتمام بهذا القطاع يتطلب منا بذل الكثير من الجهود خصوصا ما يتعلق منه بالصادرات غير النفطية وسط مخاوف من تدني أسعار النفط خلال الحقبة القادمة. وبرغم التحفظ لدينا على قضية تدهور الأسعار هذه، إلا أنه في نهاية المطاف لابد لنا من تبني إستراتيجية بديلة كهذه، بل أنا نراها مطلبا أساسيا.إن معدلات صادراتنا غير النفطية لا زالت متدنية، لا لشيء وإنما لضعف في معظم القطاعات غير النفطية، التي تفرض علينا في الواقع البدء بتقويتها، وهو أمر لا مناص منه و يحقق للاقتصاد أهدافا أخرى كذلك، كتنويع مصادر الدخل وغيرها.

3- الموارد الخارجية للتمويل:
وهي تشتمل على مكونين أساسيين هما:
أ‌-  مكون رأس المال الذي يبحث عن الربح أو الفائدة، وهو عبارة عن الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر والقروض.
ب‌-  المساعدات التي لا ترتبط مباشرة بالأرباح التجارية.
ولا شك أن عملية انسياب رؤوس الأموال لأي بلد يمثل إضافة حقيقية إلى موارد ذلك البلد، إلا أن عملية الانسياب تلك لا تخلو من عيوب ومخاطر تؤثر على الاقتصاد الوطني المستقبل لتلك الموارد بسبب الشروط والقيود المصاحبة لعملية الانسياب والتي قد تقلل من كفاءة استخدام تلك الأموال.
كما أن عملية سداد القروض الأجنبية والفوائد المترتبة عليها (خدمة الدين) إنما تمثل تحويل جزء كبير من موارد الدولة إلى الخارج. وأما بالنسبة للاستثمارات المباشرة فإن المتتبع لعملية إعادة الأرباح سواء بالنسبة للاستثمارات المباشرة في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين أو حتى في أيامنا هذه؛ يجد أن الأرباح التي أعيد تحويلها للخارج إلى الدول صاحبة الاستثمار تفوق أضعاف حجم الاستثمارات الأصلية التي انسابت للدول المستقبلة لتلك الاستثمارات والتي تولدت عنها هذه الأرباح.
 ففيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر فقد اعتبرته بلدان كثيرة بمثابة المخرج من المأزق التمويلي الذي وقعت في شركه.
كما تروج الدول المتقدمة وعدد كبير من كتاب النمو، وكذلك المنظمات الدولية التي تسيطر عليها هذه الدول، بأن الاستثمار الأجنبي المباشر هو السبيل الرئيس لتنمية البلاد النامية نظراً لما يأتي في ركاب هذه الاستثمارات من موارد حقيقية وخبرات ونقل للتكنولوجيا، وأن الاستفادة من هذه الاستثمارات تتطلب من وجهة نظرهم، توفير المناخ المناسب والظروف الملائمة.
ولا يجوز لنا أن ننسى العبرة التاريخية المستمدة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الماضي، حيث كانت النتيجة الرئيسية لهذه الاستثمارات ليست سوى استغلال وتشويه للقوى الإنتاجية بدول العالم الثالث وتحويلها إلى مصدر لنقل الفائض إلى العواصم الاستعمارية. وفي ظل تلك النتائج وما نراه يحدث لاقتصادات عدد من دول الجوار ودول أخرى كثيرة من جراء تصرفات المستثمر الأجنبي، إضافة إلى ما أكدنا عليه في السطور السابقة من احتمال وجود عدد من المزايا للاستثمار الأجنبي؛ فإننا نستخلص أنه يمكن لنا الاستفادة من تلك الاستثمارات بالمستوى المطلوب شريطة الرقابة عليها و تدبيرها و إدارتها بكفاءة. ورغم أن تحقيق هذه الشروط في التعامل مع المستثمر الأجنبي ليس بالأمر الهين، إلا أنه لابد لنا من وضع الآليات اللازمة لتنفيذها لضمان الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. 

سياسة تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد العماني



لم يغب عن أذهان واهتمام واضعي السياسة الاقتصادية في السلطنة خطورة الاعتماد شبه المطلق على عائدات النفط والذي يمثل حالياً حوالي، 81% من الصادرات و 45% من الناتج المحلي الإجمالي. لقد تمثل هذا الاهتمام من جانب الحكومة بهذه المشكلة في العديد من الأمور منها:
أ – جاء في خطة التنمية الخمسية الأولى:
- من الطبيعي أن تكون الاحتياطات النفطية من نصيب الجيل الحاضر ولكن الثروة المشتقة منها يجب استثمارها لفائدة كل من الجيل الحاضر والجيل القادم، لذلك فإنه من المهم استخدام هذه الموارد المحدودة أفضل استخدام وذلك باستثمارها في مشاريع تنموية تعطي قوة للاقتصاد العماني.
-  أن أسس سياسة التنمية يجب أن تكون توفير المتطلبات الأساسية لاقتصاد حر يلعب فيه دور القيادة، قطاع خاص كفء وقادر، وفرصة المساهمة في بناء هذا الاقتصاد يجب أن تكون متاحة لكل المواطنين على أساس مشاركة حرة في سوق يخلو من الممارسات الاحتكارية.
- من الضروري إحداث توزيع جغرافي واسع للاستثمار حتى تشترك جميع المناطق في ثمار التنمية من أجل تضييق الفجوة في مستوى المعيشة بين المناطق المختلفة.
-  وجوب بذل العناية لتطوير الموارد البشرية المحلية من أجل جعلها قادرة على لعب دور أكثر حيوية في الاقتصاد الوطني، ومن الضروري في هذا المجال توسيع وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية.
- أن الهدف الأساسي للتنمية الاقتصادية هو تنفيذ مشروعات مولدة للدخل، يضاف للدخل القومي حتى يتم رفد الاقتصاد بمصادر إضافية لدعم الموارد النفطية ولتأمين تقدم مناسب نحو المستقبل، وفي هذا الإطار يجب التركيز على الصناعة والزراعة والثروة السمكية.
     
ب – وكان من أهم أهداف وسياسات الخطة الخمسية الأولي (76 – 1980)هو تحقيق معدل نمو إيجابي للقطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني.
         
 ج – صدور المرسوم السلطاني رقم 19/79 بإنشاء مجلس الزراعة والأسماك والصناعة، وقد حدد المرسوم المشار إليه أهداف المجلس والتي منها.
1 – تحقيق سرعة تنمية قطاعات الزراعة والأسماك والصناعة.
2 – دعم دور القطاع الخاص العماني في تنمية تلك القطاعات.

ويمكن ايضاح خطورة الاعتماد على القطاع النفطي وحده إذا ما أخذنا في الاعتبار الارتباط الايجابي المباشر وغير المباشر للقطاع النفطي بالقطاعات الأخرى غير النفطية -في هذه المرحلة- للدرجة التي لا يمكن معها الاستمرار الطبيعي لأغلب تلك الأنشطة عند حدوث تدهور بالقطاع النفطي.

لا شك إذن أن تنويع مصادر الدخل أمر حيوي وغاية في الأهمية من أجل خلق اقتصاد حديث قادر على النجاح والاستمرار، ومتكامل بحيث يمكن معه تدعيم مستوى دخل كاف في الأوقات التي ينكمش فيها مستوى العائدات النفطية كما تم ذكره سواء كان ذلك بسبب تداعى أسعار النفط أو غير ذلك من الأسباب الأخرى وهي كثيرة.  

ولبيان مدى نجاح سياسة تنويع مصادر الدخل في اقتصاد السلطنة يمكن تتبع مساهمة القطاعات التي عول عليها من خلال اهتمامات الحكومة وسياساتها لكي تسهم في تنويع مصادر الدخل، يمكن المقارنة بين معدل مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1970 و 2007 حيث كان ذلك المعدل لا يجاوز 30% في بداية الفترة ليرتفع إلى 55% بنهاية العام 2007 رغم ارتفاع العائدات النفطية كنتيجة لارتفاع أسعار النفط العالمية وما ترتب على هذا الارتفاع من إعادة استغلال الحقول النفطية عالية تكلفة الاستخراج، الأمر الذي يمكن معه القول بنجاح سياسة التنويع على المستوى الإجمالي.   

إلا أنه لابد من التنويه إلى أن وجود عدد من القطاعات التي لازالت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي متواضعة كقطاع الزراعة وقطاع الأسماك، أمر بحاجة لإعادة نظر. 

ومن التحديات التي تقف عائقاً أمام تطور هذا القطاع الحيوي والهام في الوقت الحالي والتي ندركها جميعا عدم توافر مياه الري الضرورية وتنامي مستوى ملوحة الأراضي الصالحة للزراعة في السهول ، إضافة إلى عدم وجود جهة حكومية أو خاصة ذات كفاءة عالية ومتخصصة في تسويق المنتجات الزراعية تستطيع تقديم العون للمزارعين في إيجاد منافذ داخلية أو خارجية لتصريف منتجاتهم، وأخيرا منافسة المنتج الخارجي.

ورغم تسليمنا بوجود الصعوبة الأولى – ندرة المياه اللازمة للري والملوحة- فإنه لابد لنا أن ندرك الأهمية الحيوية لهذا القطاع استنادا إلى القاعدة الاٌقتصادية التي تفيد أنه لا قيام لقطاع صناعي راسخ بمنأى عن قطاع زراعي قوي، وكذلك لأن تعزيز هذا القطاع هو خيار إستراتيجي لتأمين مصدر غذائي هام في أوقات الأزمات بشتى أنواعها. وأما فيما يتعلق بمنافسة المنتج الأجنبي فإن سياسة الإغراق التي يمكن أن تتبع من قبل بعض الدول المصدرة؛ لها عدد من الحلول خاصة في ظل اتفاقيات التجارة الدولية. إن إعادة النظر في الاهتمام بهذا القطاع يمكن أن تكون من خلال زاويتين، أولاهما إمكانية تذليل الصعوبات المشار إليها في السطور السابقة خاصة في ظل وجود تقدم علمي مذهل في التقنيات الزراعية، وثانيهما أنه لا يمكن لأحد الجزم بعدم عودة المناسيب الجوفية من المياه -التي نتج بانخفاضها ارتفاع مستوى ملوحة التربة- لمستوياتها السابقة مستقبلا لسببين هامين هما إمكانية تغير الظروف المناخية في أي لحظة والاهتمام الكبير من جانب الحكومة بإنشاء السدود وغير ذلك من الأمور التي تساعد كثيرا في حل المشكلة.             

وفيما يتعلق بقطاع الأسماك فلم تزد مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي عن 0.5% (نصف بالمائة) بنهاية عام 2007 رغم أهميته المتوقعة المبنية على كون السلطنة تقع على سواحل تقدر بنحو 3000 كيلو متر وبحار تحوي ثروة سمكية تعد من أجود الأنواع على المستوى العالمي. إن تواضع مساهمة هذا القطاع وموضوع تطويره وتنميته بحق بحاجة لمزيد من البحوث و الدراسات.