لأني أريد لهذا المقال أن يكون مشوقا فقد منحته هذا العنوان، وإلا فهو ثقيل، ذلك لأنه يتحدث عن إحدى مساوئ التنظيم غير الرسمي في المؤسسات.
لست هنا بصدد مناقشة تعريفات التنظيم الرسمي وغير الرسمي في أدبيات الإدارة ومزايا وعيوب كلا منها لأنه عند ذلك سيكون غاية في الثقل، ليس لأن مادة الموضوع هي كذلك- فهي بلا شك ذات أهمية خاصة وأقول خاصة لأن القدرة على التمييز بين هذين الشكلين من أشكال التنظيم في بيئات الأعمال وبالأخص للممارسين والقائمين بأدوار الرقابة، وإدارة الجودة، والتنمية الإدارية هو بمثابة الاستعانة بمصباح في طريق مظلم- وإنما لكون هذا الموضوع ومعظم مواضيع الإدارة باتت معروفة لدى الكثير من الناس والمثقفين.
في الوضع الطبيعي، لو أجرينا مقارنة بين الوحدات المختلفة داخل أي منظمة مستخدمين معايير كمقدار الرضا الوظيفي، والاهتمام بالتنمية البشرية، والثقافة التنظيمية السائدة، ومقدار تواجد أو حضور مؤشرات التنظيم غير الرسمي، لوجدنا أن النسب متقاربة بين معظم الوحدات، إلا أننا سنلاحظ أيضا تواجد نوع من المنظمات تتفاوت بها عند القياس تلك المؤشرات تفاوتا كبيرا، الأمر الذي يفسر على أنه دلالة واضحة على تفاوت مستويات مدراء تلك الوحدات الفرعية بها في القدرة على استخدام أساليب فن الإدارة، والكفاءة والفعالية، والمبادأة والابتكار، وتحمل المسؤولية، ومدى تعظيم مصلحة المنظمة على المصالح الشخصية والعلاقات غير الرسمية. ولو أمعنا النظر قليلا لوجدنا أن النوع الأول من المنظمات هو الأكثر انتشارا، وأن الأخير هو الاستثناء.
وكان استثناء لان القيادات الإدارية أصبحت تؤمن بأهمية الرقابة على الممارسات الإدارية في المنظمات، مستعينة بحزم من المعايير والسياسات في التقييم. الجدير بالذكر هنا أنه من خلال البحث والتحليل نجد أن تلك الوحدات الفرعية الاستثنائية في الغالب تدار بعقول خربة شبت على نوع من الثقافات التنظيمية "اللاتنظيمية" المكرسة لخدمة مصالحها الشخصية ومصالح أطراف علاقاتها، غير مكترثة بتحقيق الرسالة والأهداف التي وجدت تلك المنظمة من أجلها وسنطلق عليها "تجاوزا" هنا الإدارة الانتهازية الفاسدة، أو أن تلك العقول قد عفا عليها الزمن فتصلبت ثم تحجرت، حتى أنك لن تجد في الممارسات الإدارية لأصحابها سوى جانب الشكليات والروتين الممل ومحاربة التطوير والابتكار ومواكبة التطورات التقنية، وسنطلق عليها "تجاوزا" الإدارة الرجعية.
ففي الحالتين الأولى والثانية أو كما أطلقنا عليهما الإدارة الانتهازية الفاسدة، والإدارة الرجعية، ستجد دون شك أنه يعشش في بيئتيهما نوع من أنواع العلاقات غير الرسمية، المختلقة عمدا في الحالة الأولى، وغالبا تكون من اختلاق المدير الأعلى ومن أراد رضاي فلينتهج نهجي ولينفذ ما أريد وله ما يريد، ومن شذ شذ إلى ناري. هكذا ينتشر هذا الوباء الخبيث بين الأفراد من المستوى الإداري الأعلى وحتى أدنى موظف في الهرم التنظيمي. فيما نجد أن العلاقات غير الرسمية تكون غير مختلقة عمدا في الحالة الثانية أي في حالة الإدارة الرجعية، إلا أنها غالبا تؤدي إلى نفس النتائج بسبب غياب رقابة المدير الأعلى وعدم وعيه وإدراكه لمقتضيات وعناصر نجاح الممارسات الإدارية ومواكبة التغيرات التقنية والاجتماعية والاقتصادية.
ما يهمنا في هذا المقال هو كيف نستطيع التعرف على وجود هذين النوعين من الإدارات؟ إن المتأمل في الممارسات الإدارية في أي تنظيم بشكل عام، ومن خلال التحليل الدقيق بدءا من الجزئيات إلى الكليات في منظومة الأداء ومدخلاتها ومخرجاتها، يستطيع التوصل حتما إلى نتيجة توضح فيما إذا كانت تلك الممارسات رسمية أم غير رسمية.
كباحث أو ممارس ستجد الكثير من الأساليب والطرق والمؤشرات التي يمكنك توظيفها للوصول للحكم إلى أي مدى ابتلي تنظيم ما بتلك الثقافات السلبية والممارسات غير الرسمية. بعض من تلك الأساليب والطرق والمؤشرات سبق ذكرها في مستهل هذه السطور. ويعتمد ذلكم التحليل على نوع الوظيفة الموكلة للوحدة الفرعية في المنظمة. سنجد أن هناك العديد من الممارسات الإدارية المغرضة والمشكلات بل والظواهر التي تطفو على السطح يستطاع من خلالها الاستدلال على وجود مشكلتي أو مرضي الإدارة الانتهازية الفاسدة، والإدارة الرجعية. ونضرب مثالا لتوضيح الفكرة: ففي الإدارة المالية مثلا ستجد أن الممارسات الإدارية في ظل تواجد هذين الداءين أو أحدها تتسم بما يلي:
* استعانة تلك الإدارات بنظم مالية ومحاسبية لا توفر القدر الكافي من متطلبات ومعايير المحاسبة.
* نزوع التوجهات الإدارية بتلك الوحدة الفرعية في المنظمة إلى أخذ مسارات نحو تحقيق أهداف ومكاسب شخصية، مادية منها ومعنوية، بحيث تكون تلك التوجهات المغرضة مختفية في غياهب وكواليس تلك النظم المالية البالية.
* يكون المدير الأعلى في الغالب قد أمضى سنين طويلة في وظيفته في موقعه ذاك بحيث يكون قد كون علاقات غير رسمية غاية في الحجم والتعقيد على مستويي بيئة المنظمة الداخلي والخارجي، غالبا ما يعتنق من خلالها توجهات إدارية مغرضة وبعيدة كل البعد عن أهداف المنظمة، وذلك لتحقيق تلكم المنافع المادية أو المعنوية.
* هذه التوجهات أو الممارسات الإدارية الموجهة لتحقيق تلك المنافع المادية أو المعنوية وهي تنساب خلال خطوط السلطة لن تخلو من واحد من الأمرين التاليين:
- أنها تحمل في طياتها منفعة مادية أو معنوية لواحد من أطراف السلطة في المنظمة.
- أنها تحمل في طياتها منفعة مادية أو معنوية لطرف خارج أطراف السلطة في المنظمة.
* الاستعانة بطرق وأساليب لأداء الأعمال المالية لا توفر ابسط متطلبات الشفافية و فضفاضة ومن الضعف والوهن بمكان في مستوى الكفاءة والفعالية.
* تطغى عليها مركزية اتخاذ القرارات، وتكون قراراتها ذات نزعة نحو تهميش الإدارة العليا والجهات الأخرى ذات الصلة، حيث يتم ذلك بعدة طرق غالبها غير مباشرة من خلال رفع مذكرات وتقارير تحتوي على بيانات ناقصة ومعلومات مبتورة، وعدم توفير التقارير المالية في الوقت المطلوب وبالهيئة والشروط والمعايير المطلوبة.
* انتهاج سياسات لمواجهة وإجهاض أي مبادرة تسعى لتطوير ورفع درجة الشفافية في أنظمة وطرق وأساليب أداء الأعمال المالية.
* لا تتم في هذه البيئات غالبا الترقيات على أساس الكفاءة بل يفوز بالمراكز الوظيفية من يركب الموجة ويعتنق تلك العقيدة الفاسدة.
* وهناك مؤشر غاية في الأهمية لمعرفة وتحليل عملية تطور مثل هذه الثقافة في أي منظمة وهي الاطلاع وتتبع المزايا والمكافآت والمهام الممنوحة حيث وجد أنها تكون محصورة بين أطراف تلك العلاقة، إلا من فتات لمخالفيهم من باقي الأفراد لذر الرماد في العيون.
* عدم الاكتراث بكل ما يصدر من توجيهات وسياسات تحث على تطوير وتنمية الموارد البشرية، حتى وإن صدرت تلك التوجهات والسياسات من رئيس الوحدة أو من جهات مختصة من خارج المنظمة.
* والذي يمعن النظر في سجل العاملين بهاتين البيئتين سيجد أن الممارسات الإدارية السلبية المغرضة بها تمثل وسيلة طرد للعقول والكفاءات بشكل عام وكذلك لكل من يترفع عن تلك الثقافة الفاسدة، أو من تسول له نفسه الخروج بأي مبادرة لتطوير وسائل وطرق أداء الأعمال المالية ورفع مستويات الشفافية والكفاءة واختزال الوقت والجهد في أداء تلك الأعمال.
* كما تتسم هذه البيئات كذلك بالغموض وعدم دقة وشمولية مخرجات الأنظمة المالية بها، من تقارير ونتائج أعمال ومؤشرات قياس الأداء، وبالتالي عدم تمكن الإدارة العليا من الوقوف على تلك النتائج والأداء الفعلي، الأمر الذي ينعكس كذلك على الجهات الرقابية.
الخلاصة أن بيئات العمل والثقافات السائدة بها تؤثر تأثيرا غاية في الأهمية على إدارة وتنمية الموارد البشرية، وكذلك على مستويات الكفاءة في استخدام الموارد ومكافحة الفساد بكل أنواعه، الأمر الذي يستدعي معه الاهتمام بالرقابة على بيئة العمل وتحليلاتها.
* خبير مالي و أكاديمي
khalifaalfazari@yahoo.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق