كواليس النظم المالية(3)
د/خليفة الفزاري
كنا قد انتهينا في المقال السابق إلى خلاصة مفادها أن الرقابة على بيئات الأعمال من الأهمية بمكان، ذلك لأن السياسات الرقابية بنوعيها الداخلية والخارجية لن تستطيع تحقيق أهدافها بمنأى عن استخدام أسلوب الرقابة على البيئة التنظيمية، لا شك أن هذا الأسلوب من الرقابة مغيب وغير معمول به من قبل تلك الأجهزة المنوط بها مراجعة أعمال الوحدات الحكومية. جدير بالذكر هنا أن هذه الوسيلة -أي الرقابة على بيئات الأعمال- هي إحدى وسائل ما يسمى بالرقابة الوقائية الهامة، ولو تم إعمالها لأمكن كشف الكثير من قضايا الفساد قبل وقوعها، بل أن تلك الأجهزة ستستطيع من خلال ذلك تمييز بيئات الأعمال الفاسدة وعمل ما يمكن عمله لإصلاحها، على مستويي الأفراد وأساليب أداء الأعمال والنظم المستخدمة. بل أنه حتى من خلال استخدامها الطرق التقليدية، وفي ظل اكتشاف الكثير من المخالفات والتجاوزات، فإن تلك الأجهزة غالبا ما تقف في إجراءاتها عند رد الجهات المخالفة وتبريراتها التي غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن تطبيق القواعد المالية والمحاسبية.
إن تلك البيئات تحترف صياغة الردود على الأجهزة الرقابية، وهي في سبيل تحقيق ذلك تستعين بمن يكرس خبراته في التأليف! وأقول في التأليف لأن القانون المالي واضح و تطبيقه لا يخفى على المتمرس ولا يختلف كثيرا عن تطبيق معادلة رياضية، بل أنه ليس من قبيل المبالغة القول بأن الأمر بالفعل هو معادلة رياضية لأن الممارسات المالية في واقعها تخضع للمبادئ المحاسبية والرياضية. أضف إلى ذلك أن هناك ما يغني عن الاجتهاد فيما إذا ظهرت للمسئول مشكلة محاسبية معينة، ألا وهي استفتاء الجهات المعنية. تلك البيئات أيضا تستخدم أساليب أخرى، وهي نفسها-أي الأساليب- التي تستخدم عند رفع التقارير الداخلية على مستوى الوحدة، وقد سبقت الإشارة إليها في مقال آخر كتقديم بيانات وتقارير مغلوطة ومعلومات مبتورة. تلك التبريرات وتلكم الأساليب الإنشائية الأدبية التي لا تمت لموضوع ما أو تجاوز أو مخالفة مالية صريحة بصلة هي في حد ذاتها مخالفة.
أضف إلى ذلك وكما اشرنا سابقا، أن بيئات الإدارة الانتهازية الفاسدة ولكي تحقق مآربها تستعين بنظم مالية ومحاسبية لا توفر القدر الكافي من متطلبات ومعايير المحاسبة. –ونقصد هنا الأنظمة المالية الفرعية التي تضعها الوحدة- وليس خفي على أحد أن أي نظام مالي لا يستند إلى تلك المتطلبات والمعايير إنما هو في حقيقته ليس إلا عبث، وهو في النهاية سيكون بمثابة وكر من أوكار الفساد الذي تختفي وراء كواليسه الأيدي العابثة والممارسات الإدارية والمالية المغرضة.
بالنظر إلى أهم مكونات منظومة الأداء المالي، وكما هو معلوم: العنصر البشري ثم يأتي بعد ذلك النظام المالي وما يستند إليه ذلك النظام من قوانين ولوائح، وما يحويه من نماذج ومستندات أو ما يسمى بـ "الدورة المستندية" ومجموعة الإجراءات والقواعد المنظمة للعمل به أوما يطلق عليها بـ "الدورة الإجرائية" هاتان الدورتان المستندية و الإجرائية يتم صياغتهما وفقا للمعايير المحاسبية والمالية الموحدة والمعمول بها عالميا. ومدخلات هذا النظام وعملياته ومخرجاته سيتوافر بها بالتالي كل الشروط المطلوبة، وستكون دون شك متوافقة مع تلك المعاييرالمحاسبية والمالية. فهي ستوفر حدودا للاستخدام وفقا للمستوى الوظيفي، وهي كذلك ستحدد هوية المستخدم في كل عملية أو إجراء يقوم به ليتحمل ذلك المستخدم مسؤولية عمله، وهي توفر أداة تنبيه في حالة إساءة الاستخدام. كما أنه في ظل استخدام هذا النظام المبني على أساس المعايير الموحدة المعمول بها يستطيع المسؤول الرقابة على عمل موظفيه أولا بأول، كما أن مخرجات هذا النظام ستوفر تقارير شاملة يومية وأسبوعية وشهرية وربع سنوية ونصف سنوية وسنوية بالإضافة إلى تلك التي تكون متاحة عند الطلب. وجميع هذه التقارير تتوافر بها معايير الشفافية المطلوبة، وتكون مصاغة كذلك وفقا للمستوى الوظيفي المقدمة له تلك التقارير، بالإضافة لتلك المقدمة لجهات الرقابة الداخلية والخارجية. كما يجب أن توفر تلك الأنظمة المالية كذلك جميع المؤشرات التي تسهل للإدارة العليا اتخاذ القرارات المناسبة بكل يسر. كما انها تختزل الوقت والجهد المبذولين في الأداء.
غير أنه في ظل تواجد نمطي الإدارة الانتهازية الفاسدة والرجعية، فإنه عند تصميم النظام المالي، يكون لا وجود لأي تطبيق من هذا النوع، ويستعاض عن تطبيق المعايير المحاسبية، بنسج كواليس وغياهب تنعدم الرؤية بها، يضل طريقه فيها كل من أراد متابعة سير العمل وماهيته والى أين يتجه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق