الأحد، 2 سبتمبر 2012

العلاقة بين الادخار والاستثمار في اقتصادنا



يعرف الفكر الاقتصادي الاستثمار بأنه عبارة عن الجزء من الدخل الذي لا يستهلك وإنما يعاد استخدامه في العملية الإنتاجية في أي اقتصاد. ولا شك أن أحد شروط التوازن الاقتصادي هو تساوي معدلات الاستثمار المستهدف مع معدلات الادخار. ولذلك يكون الاقتصاد في حالة من عدم التوازن إذا لم تغطي معدلات الادخار معدلات الاستثمار المطلوبة. فالادخار يعتبر تسرباً من الدخل القومي بمقدار ذلك الجزء الذي لا ينفق على السلع والخدمات، والاستثمار ما هو إلا إضافة إلى تيار الإنفاق، حيث يضاف الإنفاق الاستثماري إلى الإنفاق الاستهلاكي.

وزيادة الادخار على الاستثمار تسبب انخفاضاً في مستوى الدخل القومي والإنتاج، وذلك لسبب بسيط وهو تسرب جزء من الدخل والذي يمثل هنا الادخار دون أن يتم استثماره كاملاً، أي لم يضف كاملاً إلى تيار الإنفاق. أما زيادة الاستثمار على الادخار فتؤدي إلى زيادة مستوى الدخل والإنتاج لأن ما أضيف إلى تيار الإنفاق يزيد على ما تم استقطاعه من تيار الدخل، وعلى هذا يحدث التوازن فقط عندما يتساوى الادخار مع الاستثمار.

كما أن اتخاذ القرار بالقيام بالاستثمار سواء من قبل الدولة أو المشروعات أو الأفراد يعني الأخذ في الاعتبار عنصرين هامين هما: التكاليف الحالية لعوامل الإنتاج بصفة عامة والعائد الذي يمكن تحقيقه من ذلك الاستثمار. وبذلك فإن الاستثمار يعد منتجاً إذا كانت قيمة العائد أكبر من التكاليف وبالعكس. وعليه يمكن القول أن الاستثمار المنتج هو الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد القومي. فعندما يتمثل الاستثمار من وجهة نظر الفرد - على سبيل المثال -  في توجيه المدخرات نحو شراء أرض أو منزل أو مصنع موجود فعلاً فإن هذه الصورة لا تعد استثماراً من وجهة نظر الاقتصاد القومي. ذلك لأنها لا تعدو كونها انتقال ملكية أصل من فرد إلى فرد دون أي إضافة لممتلكات الاقتصاد القومي. ومن ثم فليس هناك تغييراً إيجابياً في القدرة على زيادة الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف. وينطبق ذلك تماماً على الاستثمارات الحكومية، إذ ليس كل استثمار حكومي يساهم في زيادة الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف.
وتأسيسا على ما سبق فإن الاقتصاد الوطني يجب أن يتسم بـ:
1-  زيادة الموارد المخصصة للتكوين الرأسمالي وبالأخص ذلك الذي يرفع من الطاقة الإنتاجية والدخل والتوظيف.
2-  انخفاض الفجوة بين معدلات الادخار والاستثمار حفاظاً على التوازن الاقتصادي اللازم.
وفيما يتعلق بالأمر الأول، فقد أولت السلطنة اهتماماً كبيراً لموضوع التكوين الرأسمالي  البشري والمادي، وقد حققت حتى الآن مستويات عالية من تلك الاستثمارات بنوعيها.

           
عليه فإن من الأهمية بمكان أن نحافظ على هذا النهج الذي انتهجناه خلال السنوات الماضية وحتى الآن من مسيرتنا التنموية. ذلك أن موضوع استهداف معدلات كبيرة من الاستثمارات من خلال الدخول في مشاريع تعتمد بشدة على الاستثمارات الأجنبية نتيجة عجز معدلات المدخرات القومية كما هو الحال بالنسبة لبعض المشاريع المعلن عنها مؤخرا؛ هو أمر يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالتوازن الاقتصادي.    


فعلى مستوى معدلات الادخار الإجمالية، فإن العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى تزايد معدلات الاستهلاك العائلي، أدى كل ذلك إلى تدني مستويات المدخرات نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويعود تراجع معدلات الادخار القومي - إضافة إلى ما سبق -  إلى العديد من العوامل الأخرى منها اقتصادية مثل تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب، وتحويلات العمالة الوافدة...الخ. ومنها عوامل اجتماعية مثل السلوك الادخاري السلبي وقلة الوعي بأهمية الادخار وغيرها من الأمور.

والثابت انه إذا زادت الفجوة بين الادخار والاستثمار في اقتصاد ما وعمد هذا المجتمع إلى تغطية تلك الفجوة الكبيرة بمدخرات أجنبية فإن هذا الاقتصاد يكون اقرب إلى التحول إلى ما يسمى باقتصاد الفقاعة نتيجة اعتماده بشدة على الاستثمار الأجنبي وإمكانية دخوله في دوامة لا تنتهي من الاقتراض الخارجي مع ما يتبع ذلك من أزمات اقتصادية وتدخلات غير مرغوبة والتي يمارسها عادة الدائنين في خصوصيات البلدان المدينة.

 وقد عزى عدد من المحللين الاقتصاديين أزمة دول شرق وجنوب شرق آسيا والتي أطلق عليها-أي تلك الدول- حتى قبيل الأزمة التي تفجرت عام 1997 بـ "النمور الآسيوية" وكذلك " دول المعجزة الآسيوية"؛ عزوه إضافة إلى تدخلات المستثمرين الأجانب، إلى قصور معدلات الادخار مقارنة بمعدلات الاستثمار المستهدفة ولجوء تلك الدول إلى تغطية فجوة مواردها بالمدخرات الأجنبية (استثمارات أجنبية واقتراض خارجي).

فعلى سبيل المثال، في إندونيسيا زادت هذه الاستدانة من 84.9 مليار دولار عام 1992 إلى 137.4 مليار عام 1997، وفي كوريا الجنوبية ارتفع حجم المديونية من 63.8 مليار دولار عام 1992 إلى 157.2 مليار دولار عام 1997، أما في تايلاند فقد ارتفع حجم المديونية من 43.4 مليار دولار عام 1992 ليصبح 95.8 مليار دولار في عام 1997.
وبشكل عام فإن حجم الاستدانة لتلك الدول ومعدلات الاستثمار الأجنبي استمرت في الزيادة إلى وقت تفجر الأزمة، بالرغم من أنها كانت تعتبر مثالاً يحتذى به في حسن التدبير وكفاءة استخدام الموارد والإدارة المالية الناجحة.
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق