الأحد، 2 سبتمبر 2012

موجة الاستهلاك البذخي في مجتمعنا إلى أين؟


موجة الاستهلاك البذخي في مجتمعنا إلى أين؟

توضح الدراسات الاقتصادية بما لا يدع مجال للشك الدور الخطير الذي تقوم به المدخرات الوطنية في تمويل برامج و خطط التنمية و دعم عملية التكوين الرأسمالي، وأن محاولات الاعتماد على المدخرات الأجنبية لتحل محل المدخرات الوطنية ليس هو الحل الأنجع، لما يتصف به تدفق الموارد الأجنبية من عدم الثبات والخضوع لاعتبارات مختلفة يصعب التحكم بها.
ويعاني مجتمعنا في السلطنة من نزعة استهلاكية عارمة بسبب تفشي عدد من العادات والسلبيات بين أفراده مثل أنماط الاستهلاك المظهري والتفاخري، والتقليد والمحاكاة وانخفاض إنتاجية الأفراد، ذلك أن ارتفاع معدلات الاستهلاك بهذا القدر أبعد ما تكون تعبيراً عن الإنتاجية الحقيقية لجهود المجتمع. ومما هو جدير بالملاحظة أن هذا المستوى وهذا النمط من الاستهلاك الترفي طارئ على مجتمعنا، لا يمت بصله إلى نمط  الاستهلاك التقليدي. وهنا يتطلب الأمر- كما سيرد في نهاية الحديث- جهد من المجتمع ككل أفرادا ومؤسسات لإعادة غرس تلك الفضائل التي فقدت وضيعت مثل الادخار والابتعاد عن التبذير والإسراف وغيرها.
     كما أن الانفتاح على العالم الخارجي وما نتج عنه من سهولة تدفق  الواردات أدى في واقع الأمر إضافة إلى رفع معدلات الاستهلاك إلى تعطيل الإنتاج المحلي -خاصة الصناعات الصغيرة والحرفية التي تعد بمثابة نقطة تحول لتنمية مجتمعية وأسر منتجة وصولا لقطاع صناعي راسخ - بسبب انخفاض أسعار هذه المستوردات خاصة تلك التي ترد من شرق وجنوب شرق آسيا وما تسببه من منافسة للمنتج المحلي، نظراً لانخفاض التكلفة في تلك البلدان، خاصة فيما يتعلق بعنصر العمل.
لابد لنا أيضا أن ندرك أن مستوى الاستهلاك ونمطه السائد حالياً في المجتمع غالبا ما يمثل تحدياً وعائقاً للتنمية لما يترتب عليه في الغالب من تقليل إمكانية خلق النشاطات الاقتصادية نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة وتزايد تكلفة الأيدي العاملة إلى الحد الذي لا تبرره إنتاجية هذه النشاطات، إضافة إلى فرض احتياجات غير أساسيه على المجتمع تتطلب استيراد سلع وخدمات لإرضاء الاستهلاك الترفي. ولاشك أن هذه الاحتياجات الطارئة وغير الأساسية تحمل المجتمع حالياً ومستقبلاً تبعات اقتصادية واجتماعية في وقت قد تعجز القدرة الاقتصادية للمجتمع عن مواجهة استمرارها.
وبإلقاء نظرة خاطفة على معدلات الاستهلاك الخاص يلاحظ ارتفاع مستواها بشكل مذهل في ظل وجود ارتفاع في معدلات الدخول. وهذا بدون شك يعطي مؤشرا خطيرا أن الأفراد ينزعون إلى الاستهلاك بشدة وينفقون كل الزيادة التي تطرأ على دخولهم أو معظمها.
من زاوية أخرى يشبه الاقتصاديون النظام المصرفي بنظام الدورة الدموية في جسم الإنسان، يمثل البنك المركزي القلب وتقوم الشبكة المصرفية بدور الشرايين والأوردة التي توصل الدم إلى أية نقطة في الجسم. ولا شك أن من أولى مهام النظام المصرفي تمويل الاقتصاد الوطني جنباً إلى جنب مع المصادر الرئيسية الأخرى كموازنة الدولة على سبيل المثال. وقد اتفقت الدراسات الاقتصادية التي تناولت دور السياسة النقدية في النشاط الاقتصادي على الدور الذي يقوم به البنك المركزي في تحقيق الاستقرار النقدي في الاقتصاد، وتمويل عملية التنمية الاقتصادية وتعبئة المدخرات.
ويستطيع البنك المركزي تنفيذ هذه السياسة من خلال الرقابة على الائتمان نوعاً وكماً، والرقابة على الائتمان ما هي إلا التأثير على أوجه استخدام الائتمان المصرفي من حيث الاتجاهات والمسارات التي توزع فيها المصارف التجارية ومواردها النقدية بصيغة قروض واستثمارات مصرفية بمختلف أنواعها وأشكالها. ويعود سبب تبني البنك المركزي لمثل هذه السياسة لرغبته في تلافي العيوب والنواقص التي يمكن أن تنشأ من جراء تخصيص الموارد المالية غير السليم بين القطاعات الاقتصادية المختلفة. ويملك البنك المركزي عدة أنواع من الأدوات والوسائل التي تعينه على تنفيذ ذلك منها:
1-  أسعار الفائدة التمييزية التي تتمثل في تحديد أسعار الفائدة على القروض ، بحيث تتباين هذه الأسعار من قطاع لآخر بهدف تقليص حجم القروض الموجهة لبعض القطاعات وخاصة القطاعات غير الإنتاجية وبالمقابل تنشيط القطاعات الإنتاجية.
2-  تخصيص الموارد الائتمانية بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
إن النظريات الحديثة في التنمية الاقتصادية تؤكد على أهمية توفير الائتمان الكافي لتحقيق معدلات نمو عالية، وهو - أي الائتمان - يجب أن يكون ضمن أولويات الجهاز المصرفي، إذ أنه يعد حجر الأساس في أحداث التغير والتنمية، وتؤكد أهمية السياسة التمويلية وما يترتب عليها من توفير المدخرات اللازمة لأوجه الاستثمار المختلفة بشكل كفء، وأن أي قصور في توفير التمويل اللازم يعتبر عائقا للنمو ويؤدي إلى آثار سيئة على مستويات الإنتاج والإنتاجية في المجتمع.
ويستوي الحال إذا ما شاب عملية تخصيص الموارد الائتمانية بين القطاعات الاقتصادية المختلفة أوجه قصور، كأن تستحوذ القطاعات الاستهلاكية أو تلك القطاعات غير الإنتاجية على غالب الموارد ولا يكن نصيب القطاعات الإنتاجية من الائتمان إلا الفتات. وهذا يحدث غالبا كنتيجة لوضع الجهاز المصرفي معيار الربحية والعائد المضمون فقط أساسا لخطط الإقراض.  مثل هذا القصور في واقع الأمر يمكن مواجهته عن طريق وضع ضوابط صارمة على عملية التوزيع بحيث تكون انتقائية ولو بشكل جزئي، وبحيث يتم توجيه قدر كافي من تلك الموارد الائتمانية للقطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة والصادرات.
ولنعطي مثالا واضحا على أهمية سياسة تخصيص الائتمان في توجيه الموارد، فعند تخصيص نسبة كبيرة من محافظ البنوك للقروض الشخصية فلا يخفى على أحد أن جل تلك الموارد ستنفق هدراً في أغراض استهلاكية بحتة بل وسينفق معظمها على شراء السلع الواردة، الذي سيؤدي إلى زيادة مستوى الواردات وتشكيل ضغوط على احتياطي المجتمع من النقد الأجنبي، إضافة إلى ما تفرزه هذه الظاهرة الخطيرة من مشاكل عديدة في المجتمع مثل العيش بمستوى حياة لا تتلاءم مع الإمكانات المادية، والميل المستمر للاقتراض وإعادة الاقتراض واختفاء السلوك الادخاري للفرد، وعدم قدرة الأفراد على الموازنة بين تكاليف وأقساط الدين الشهرية وإمكاناتهم المادية، إضافة إلى أن مبالغ طائلة من التسهيلات ستوجه إلى المضاربات.
لا شك إذن أننا بحاجة كأفراد إلى زيادة الوعي بالمشكلة وآثارها الوخيمة بنوعيها الاقتصادية والاجتماعية من خلال برامج مؤسسية تضع نصب أعينها إيجاد حلول جذرية وقابلة للتطبيق من خلال خطط وبرامج متكاملة محددة الأهداف والمراحل مسبقا. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق