لاشك أنه يحسن هنا الاستهلال بالتعريف بميزان المدفوعات ومكوناته من الحسابات لأهمية ذلك في التفرقة بين الآثار المترتبة على كل مكون من تلك المكونات، حيث يعرف الفكر الاقتصادي ميزان المدفوعات بأنه سجل تدرج فيه المعاملات الاقتصادية التي تتم بين الأفراد ومنظمات الأعمال والحكومة في بلد معين من جانب، مع العالم الخارجي خلال مدة معينة عادة تكون سنة، وأهم مكونات ميزان المدفوعات هي: الميزان التجاري، وميزان العمليات الجارية، وميزان حساب رأس المال، والميزان الكلي. ويوضح الميزان التجاري رصيد الصادرات والواردات، ولقد كان ولا يزال يحقق فائضاً في ميزان المدفوعات العماني- فيما عدا عام 1998م- ويشكل النفط أكبر حصة في صادرات السلطنة تبلغ 81%. وأما ميزان العمليات الجارية فإنه يوضح حسابين هما : الميزان التجاري، وحساب الخدمات والتحويلات. والأخير يتكون من الخدمات مثل (التأمين والسفر والشحن والاتصالات...الخ)، وتحويلات أرباح المستثمرين الأجانب وتحويلات البنوك إضافة إلى تحويلات العاملين الأجانب، ورصيده خلال السنوات الماضية كان يتذبذب بين العجز والفائض. وأما ميزان حساب رأس المال فيتكون من ثلاثة أجزاء وهي رأس المال الرسمي ورأسمال القطاع النفطي ورأسمال البنوك التجارية ويتأثر حساب رأس المال في السلطنة بتحركات رأس المال الرسمي المتمثلة في القروض الحكومية، وأما الميزان الكلي فإنه يتمثل في النتائج الصافية للموازين الثلاثة المذكورة، وقد كان رصيده خلال الفترة متقلبا في الغالب بين العجز والفائض.
ومن
أهم ما يعاني منه ميزان المدفوعات العماني من اختلالات هو اختلال هيكلي يرتبط
بهياكل الإنتاج والدخل والتوظف في الاقتصاد، والذي يتمثل في:
1
– ارتفاع مستويات تحويلات العمالة الوافدة.
2
– ارتفاع مستويات تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب.
3
– اعتماد الصادرات بشدة على منتج واحد وهو النفط.
4-
النمو المضطرد في مستوى الواردات.
وهنا
سيتم تناول الموضوع الأول والثاني بشئ من المناقشة والتحليل مع التركيز على
انعكاسات تحويلات العمالة على ميزان المدفوعات ومعدلات الادخار القومي.
يلاحظ
من خلال النظر إلى هيكل ميزان مدفوعات سلطنة عمان أنه يعكس تلك المشكلات المشار
إليها، فمن خلال أرقام التحويلات إلى الخارج (تحويلات العمالة الوافدة) يتضح أن
البلد يعتمد بشدة على العمالة الوافدة، ومن خلال مستويات تحويلات أرباح المستثمرين
الأجانب يعرف كبر حجم حصة الأجانب في الأرباح المتحققة في السوق المحلية.
فبالرغم
من الفوائض التي يحققها الميزان التجاري للسلطنة، بشكل دائم، فإن ميزان الحساب
الجاري عانى من سلسلة من العجوزات بصفة مستمرة خلال السنوات الماضية وتلتهم
تحويلات الأرباح وتحويلات العمالة الوافدة حصة كبيرة جداً من ذلك الفائض الذي
يحققه الميزان التجاري، وبذلك يتحول غالبا الفائض في الميزان التجاري إلى عجز في
ميزان الحساب الجاري باستثناء الفترات التي يرتفع فيها مستوى عائدات النفط كما هو
الحال في الفترة الأخيرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وبالرغم من كبر حجم تحويلات
الأرباح وارتفاع مساهمتها في عجز ميزان الحساب الجاري، إلا أن تحويلات العمالة إلى
الخارج لعبت دوراً أكبر في ذلك العجز.
وتتميز
السلطنة بأنها تواجه تدفقاً للمهاجرين إلى سوق العمل شانها في ذلك شأن الدول
الأخرى المصدرة للنفط ،هذا التدفق يمكن القول أنه تدفقاً صافياً إلى الداخل،
وبالطبع فإن هذا يترتب عليه وجود تدفقاً لتحويلات هذه العمالة صافياً نحو الخارج.
ولاشك أن هذه التحويلات تمثل استنزافا لمصادر الصرف الأجنبي المتاحة للدولة
وبالتالي فإنها تمارس آثارا سلبية على ميزان المدفوعات، خصوصاً في الأوقات التي تكون فيها موارد الصرف الأجنبي
محدودة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل ميزان المدفوعات يتسم
بنوع من عدم الاستقرار.
ويرى
الكثيرون أن حجم التحويلات لهذه العمالة يعتمد على عدة عوامل منها نظرة الدولة
المستوردة للعمالة إلى تلك التحويلات من حيث القيود الرقابية التي تفرضها على
عمليات التحويل، فعلى سبيل المثال هناك دول تشترط ألا يزيد ما يتم استبداله عن
عملتها المحلية إلى عملات أجنبية للعمالة الوافدة عن نسبة معينة من إجمالي الأجور
السنوية لهذه العمالة، كان تكون مثلاً هذه النسبة 60% أو 70% من الدخل السنوي
للوافد، وهو أمر يقابل تنفيذه بلا شك عدة صعوبات. كما أن هناك عوامل هامة جداُ
تشجع هذه العمالة على إبقاء مدخراتها داخل البلد المضيف مثل درجة الأمن والاستقرار-
وهذا بلا شك ولله الحمد متوافر في السلطنة. كذلك معدلات العائد على الأصول
الاستثمارية، خاصة ذات السيولة المرتفعة منها وهنا تستطيع السياسة النقدية أن تعلب
دوراً هاماً في اجتذاب مدخرات العمالة الوافدة، عن طريق تبني سياسات نقدية وحوافز
مناسبة لجذب أكبر قدر من هذه المدخرات.
وتبذل
السلطنة منذ فترة طويلة جهود كبيرة لإنجاح سياسة التعمين التي تبنتها، ولاشك أنها حققت نتائج كبيرة جدا
خاصة في القطاع الحكومي، إلا أن القطاع الخاص لازال التعمين به -قياساً بحجم
العمالة الوافدة- لم يصل لتلك المستويات المستهدفة في الخطط التنموية.ولاشك أن
السلطنة لو استطاعت تعمين هذا القطاع فإنها ستكون بذلك قد حققت هدفين في آن واحد،
فإلي جانب تحقيق هدف توظيف العمانيين فإنها ستوقف نزيف ميزان الحساب الجاري إضافة
إلى النهوض بمستويات الادخار القومي.
وفيما
يتعلق بتطور العلاقة بين التحويلات الجارية وبين رصيد ميزان الحساب الجاري
والمدخرات القومية، فإنه بإلقاء نظرة خاطفة على ميزان المدفوعات العماني خلال
الفترة من عام 1981م إلى 2007م يلاحظ ما يلي:
-
رصيد الميزان التجاري
كان يحقق فائضاً خلال الفترة باستثناء عام 1998.
-
أن رصيد ميزان الحساب
الجاري يتآكل بفعل صافي التحويلات السلبي.
- يتأثر
الميزان التجاري كثيراً بانخفاض أسعار النفط ليعكس مشكلة اعتماد الاقتصاد بشدة على
الإيرادات النفطية.
- يمكن القول أن تحويلات
المستثمرين الأجانب رغم أنها متزايدة إلا أن هذا التزايد لم يكن بنفس مستوى تزايد
تحويلات العمالة الوافدة الأمر الذي يوحي بتزايد خطورة وأثر هذه الأخيرة.
- تحويلات العمالة الوافدة سجلت في بداية الفترة مبلغ
191 مليون ريال عماني، إلا أنها تسجل أكثر من (1,400,000000) مليار فاصل أربعة،
مواكبة بذلك حجم تلك العمالة المتنامي الذي وصل إلى مستويات مرتفعة مؤخرا.
-
وبمقارنة
صافي تحويلات العمالة الأجنبية مع الحسابات القومية خلال نفس الفترة، يتضح كذلك تآكل
المدخرات المحلية بفعل صافي التحويلات السلبي وذلك من خلال النظر إلى الفرق بين
مستويات المدخرات المحلية المحققة والمدخرات القومية .
كما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن
تحويلات العمالة الأجنبية لا تتأثر انخفاضا بانخفاض إيرادات النفط، ويتضح ذلك بالنظر
إلى رصيد الميزان التجاري في العامين اللذين تدهورت فيهما عائدات النفط بشدة وهما
1986 و 1998 ، وغني عن البيان ما في ذلك من مخاطر ، ذلك أن الاقتصاد يكون عندئذ في
أمس الحاجة إلى النقد الأجنبي، بينما تحول تلك المبالغ (صافي التحويلات) بالعملات
الأجنبية إلى خارج البلاد ، الأمر الذي يؤدي إلى الضغط الشديد على احتياطات الدولة،
وبالتالي يضيف عنصرا آخر إلى قائمة مخاطر هذه التحويلات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق