هناك مقولة يرددها المفكرون والاقتصاديون دائماً، ألا وهي "الاعتماد على الذات" وفي حقيقة الأمر فإن ظهور هذه المقولة وكثرة تداولها في الفكر التنموي المعاصر لم يكن عن طريق الصدفة المحضة، بل ظهرت كرد فعل طبيعي لما آلت إليه أوضاع الكثير من الدول من زيادة التبعية الاقتصادية للخارج. إلا أنه بالرغم من تزايد استخدامها في الكتابات المعاصرة التي ألفت في موضوع التنمية، وتداولها بكثرة في المؤتمرات والمحافل المحلية والدولية، فإنه من الملاحظ أن البعض قد أساء فهمها، ذلك أنهم نظروا إليها على أنها مرادف لمقولة الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي وقطع العلاقات مع العالم الخارجي وغير ذلك من ادعاءات خاطئة وشتان بين الأمرين.
إن هذه
المقولة ما هي إلا نقيضاً لمقولة "الاعتماد على الخارج"، والاعتماد على
الخارج بشكل دائم هي الإشكالية التي تطرح عادة وتوضع موضع الدراسة، سواء كان هذا
الاعتماد الدائم في مجال التمويل التنموي أو في مجالات أخرى، إلا أن الأول هو
المقصود هنا.
فعندما
يواجه المجتمع فجوة في موارده المحلية، بحيث لا تستطيع هذه الموارد تحقيق معدلات
الاستثمار المستهدفة، يكون أمام هذا المجتمع ثلاثة خيارات لحل هذه الإشكالية ألا
وهي:
الخيار
الأول: أن يرتضي معدلاً أقل للنمو في حدود ما تسمح به موارده المحلية.
الخيار
الثاني: أن يعمل المجتمع على تعبئة فائضه الاقتصادي الكامن في مختلف قطاعات
الاقتصاد الوطني بهدف زيادة معدلات الادخار.
الخيار
الثالث: أن يلجأ المجتمع إلى مصادر التمويل الخارجي مثل القروض الخارجية وذلك لسد
فجوة الموارد المحلية.
ويمكن
القول أنه فيما يتعلق بالخيار الأول، فإنه يعني إبطاء عملية التنمية، وأما الخيار
الثاني وهو محاولة التعبئة الرشيدة للفائض الاقتصادي الممكن فهو يرتكز على التفرقة
بين مفهومين للادخار، الادخار الفعلي وهو عبارة عن الفرق بين حجم الناتج المحلي
الإجمالي وحجم الاستهلاك القومي الجاري، والادخار الكامن أو الممكن المتمثل في
الفرق بين الناتج القومي الإجمالي الذي يمكن إنتاجه في ظل ظروف اقتصادية وفنية
معينة، باستخدام الموارد المتاحة أفضل استخدام ممكن ، وبين ما يعد استهلاكاً
ضرورياً ورشيداً ، مما يجعله أكبر بكثير من الادخار الفعلي. وتحقيق الادخار الكامن
هذا، يلزم الاعتماد على دعامتين هما:
أولاً:
الاستغلال الأمثل للموارد المحلية المتاحة والممكنة للوصول بمستويات الاستثمار
والتوظف والإنتاج إلى حدودها القصوى.
ثانياً:
الاستهلاك الرشيد، بقسميه العام والخاص بغرض حماية الموارد المحلية من التبديد
والضياع وتنميتها باستمرار.
وأما
الخيار الثالث لسد فجوة الموارد فهو الاعتماد على التمويل الأجنبي بمختلف أنواعه،
وهو أمر يبدو للوهلة الأولى أسهل الخيارات الثلاثة إلا أنه ليس كذلك لعدة أسباب
منها:
1- تكاليفه الباهظة.
2- يعتبر مصدر غير دائم.
3- له آثار سلبية على معدلات
الادخار المحلية.
كما أنه في ظل الأزمة
المالية العالمية حاليا فمن المرجح أن عمليات التمويل من خلال الاقتراض الأجنبي لا
شك ستتسم بنوع من الصعوبة المتمثلة في شروطه ( سعر الفائدة وفترة السماح وعمر التسهيل
....الخ) ، وذلك كانعكاس لهذه الأزمة، بمعنى آخر صعوبة تدبير موارد للتمويل بدون
تضحيات كبيرة، خاصة إذا ما تم اللجوء إلى ما يسمى- وفقا لتصنيف مصادر القروض
المتعارف عليه- ب "المصادر الخاصة" وهي البنوك وشركات التمويل الخاصة
بسبب ارتفاع أسعار الفائدة على ذلك النوع من القروض والمغالاة في شروطها الأخرى .
وعند حدوث عجز بموازنة الحكومة لابد لنا من
البحث عن مصادر لتمويله، وما دمنا لا نؤيد
الخيار الأول من خيارات معالجة فجوة الموارد المذكورة في بداية السطور لأنها تمثل إبطاء
لعملية التنمية، وبعد أن عرفنا مخاطر ومصاعب اللجوء إلى الخيار الثالث فأمامنا إذن الخيار الثاني. ويأتي الترشيد في
الإنفاق الحكومي بين أساليب تنفيذ هذا الخيار على رأس القائمة، لأنه بلا شك من
الأمور الهامة التي يجب التعويل عليها لتخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة،
وأساليب وطرق الترشيد كثيرة ومتعددة. ولأن معدل كبير من ارتفاع مستوى الإنفاق
الحكومي يتمثل في ارتفاع تكاليف المشاريع الحكومية فيمكن القول أن تطبيق سياسة
ترشيد الإنفاق عليها يأتي ضمن أهم الأساليب و يمثل مطلب أساسي وحتمي، بل وعاجل. لا
نريد الخوض كثيرا في مسألة ارتفاع أسعار العطاءات المقبولة في مناقصات المشاريع
العامة فقد كثر الحديث عنها وباتت معروفة وملموسة لمعظم الناس، بل نعرج لما هو أهم
من مجرد الشكوى والتذمر ونطرح التساؤل التالي: ألا توجد بالفعل حلول عملية يمكن اللجوء إليها
لكبح جماح معدل النمو -غير المبرر- في تكلفة مشاريعنا التنموية ؟
نعم هناك حلول يمكن التطرق
لأحدها ولكن قبل ذلك أرى انه لابد من الإشارة إلى أن الأسس و القوانين واللوائح
المالية المعمول بها في ِشأن المناقصات الحكومية في سلطنة عمان تتضمن الكثير من
الحلول لو تم تفعيلها وأن المشرع العماني لم يتوان في طرح تلك الحلول . والآن عودة
إلى موضوع الحل فليس هو أكثر من اللجوء لتبني إحدى سياسات الخيار الثاني المذكور
في السطور السابقة، وتفعيل ذلك يمكن أن يكون بعدة أساليب احدها هو الذي نعول عليه
كثيرا، وهو بإيجاز يعتمد على تفعيل مبدأين أساسيين أولاهما مبدأ "مقارنة
التكلفة بالعائد" وثانيهما كما يقول الاقتصاديون "تحقيق أقصى منفعة(المخرجات)
من المدخلات المستخدمة".
المبدآن المذكوران كحل لهذه المشكلة يمكن بكل يسر ترجمتهما في مشروع
متكامل باستخدام أساليب عملية تقنية وتنظيمية ناجحة إلا أن مقالا كهذا بلا شك لا
يمكن أن يستوعب تفاصيله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق