لاشك أن وظيفة سوق الأوراق المالية في الأساس هي توفير المكان والوسائط التي تسهل الالتقاء بين الأشخاص الذين يبحثون عن تمويل ويطلق عليهم الأطراف ذوي العجز، مع أولئك الأشخاص الذين يبحثون عن فرص للاستثمار وهم الأطراف ذوي الفائض- أشخاص اعتباريين كانوا أم معنويين- ولذلك فإن وجود سوق أوراق مالية على درجة عالية من التنظيم والكفاءة في ظل نظام رقابي كفء يتيح انسياب الأموال من صغار وكبار المدخرين للأشخاص الاعتباريين الذين يرغبون في التمويل، مثل الحكومات وشركات المساهمة العامة. وعادة تكون الأداة التمويلية المستخدمة إما سند دين أو سهم، بمختلف أنواعها.
وتتكون سوق الأوراق المالية في السلطنة من عدد
من الأسواق الفرعية وأهم تقسيم لهذه السوق، هو ذلك التقسيم الذي يقسمها إلى :
1 – سوق الأوراق المالية الحكومية.
2 – سوق الأوراق المالية الخاصة بالشركات.
وتعرف الأولى بأنها سوق الأوراق المالية
الممتازة نظراً لانعدام مخاطر عدم السداد ، وهناك نوعين من الأوراق المالية التي
تطرحها الحكومة هما سندات التنمية الحكومية وأذون الخزانة. وتستخدم أذون الخزانة كأداه
للتمويل قصير الأجل، بينما تستخدم سندات التنمية للتمويل طويل الأجل، أما سوق
الأوراق المالية التي تصدرها الشركات فهي وسيلة لتعبئة رأس المال طويل الأجل من
الجمهور، ويشتمل تنظيم سوق الأوراق المالية على نظام خاص بالإصدارات الجديدة من
الأوراق المالية ونظام آخر خاص بشراء وبيع الأوراق المالية القديمة. ويعرف الأول
بالسوق الأولية ويعرف الثاني بالسوق الثانوية.
هذا وقد نشطت السوق الثانوية بعد إنشاء سوق
مسقط للأوراق المالية عام 1989، وذلك بمقتضى قانون صدر بمرسوم سلطاني في يوليو
1988، والذي حدد الإطار القانوني لها، ولاشك أن إنشاء مثل هذا السوق من شأنه أن يضيف
رافدا مهماً لاقتصاد السلطنة، سواء على مستوى تعبئة المدخرات أو توفير فرص للاستثمار،
كما أن الحكومة تستطيع من خلال هذا السوق سد جانب كبير من عجز الموازنة العامة.
ويرى الكثيرون أن اللجوء إلى أدوات الدين العام
المحلي من جانب الحكومة يمكنها من تمويل العجز بمدخرات حقيقية، ومن ثم لن يكن لهذا
المصدر تأثير في نمو عرض النقود، الأمر الذي لا يسبب تأثيرا على المستوى العام للأسعار.
كما أنه عند توفر التمويل اللازم للحكومة عن طريق سندات التنمية الحكومية تقل
حاجتها للاقتراض من البنوك ومزاحمة القطاع الخاص، وبذلك فإن هذا الأسلوب في تمويل
عجز موازنة الحكومة يعتبر مثالياً، خاصة حينما تكون السوق المالية نشطة، وتتوافر الثقة
في الحكومة -وهذا العامل متوافر دون شك- وكذلك حينما يسود سعر فائدة حقيقي (سعر
الفائدة الحقيقي هو السعر الصافي بعد طرح معدل التضخم) ومرتفع نسبياً. كما أنه
يشترط لنجاح هذه السياسة وفاعليتها في تعبئة الموارد اللازمة لسد العجز توافر شروط
أخرى مثل أن تكون القوة الشرائية للعملة الوطنية مستقره ، وأن تتوافر الفوائض
المالية (المدخرات) لدى القطاعات المختلفة واستعداد هذه القطاعات لشراء أدوات
الدين العام المحلي.
ونظرا لتراجع السوق بسبب الأزمة المالية
الحالية والعامل النفسي السلبي الذي يعاني منه المتعاملون، وأهمية إيجاد الحلول
المناسبة لإنعاش سوق السندات الحكومية بشكل خاص كمصدر هام من مصادر تمويل الموازنة
العامة للدولة، وأهمية الاستفادة من دروس الأزمة السابقة لهذه السوق، سنتعرض فيما
يلي إلى بيان أسباب تلك الأزمة، بغرض استخلاص وسائل العلاج المناسبة.
لقد تم الأخذ بأسلوب السندات الحكومية لتمويل
عجز الموازنة العامة في السلطنة عام 1991. ومن المؤكد أن هذا الأسلوب يحقق مصدر
إيرادات لتمويل العجز، مما يخفض من حجم الاقتراض الخارجي. كما أن الاقتراض من
السوق المحلية بهذا الأسلوب لا شك أنه يؤدي إلى امتصاص فائض السيولة في الاقتصاد
الوطني وإعادة ضخها عن طريق الإنفاق الحكومي بغرض تنشيط حركة الاقتصاد، خاصة في ظل
ظروف تباطؤ النشاط الاقتصادي المحلي. كما أن هذا الأسلوب يوفر فرصا استثمارية
جديدة للمدخرات المحلية، ويشجع رؤوس الأموال على البقاء داخل الاقتصاد.
ولقد بدأ التداول في هذه السندات الحكومية عام
1992 وكان عدد السندات المتداولة آنذاك 65 ألف سند، ارتفع إلى 819 ألف سند عام
1993. ثم ينخفض في العامين التاليين، ليرتفع إلى 759 ألف سند عام 1996، ثم يتجه
نحو الانخفاض خلال السنوات 97 و 1998، ليعاود الارتفاع عام 1999، ويصل إلى 795 ألف
سند. ويمكن الإشارة هنا إلى أن القيمة الإجمالية للإصدارات الأول والثاني والثالث
في عام 1991 لم تزد عن 40.6 مليون ريال، والإصدارات من 4-7 عام 1992 كانت حوالي
138 مليون ريال ، وهي أكبر قيمة لإصدارات السندات الحكومية، أخذت بعدها في التذبذب
إلى أن وصلت 133 مليون ريال عام 1999، مع أن التدفقات من القروض الخارجية كانت
مستمرة. بل أن عام 2000 لم تجاوز فيه القيمة الإجمالية للإصدارات عن 45 مليون
ريال.
الجدير بالذكر
أن انخفاض مستوى تداول سندات التنمية الحكومية في سوق مسقط للأوراق المالية في ذلك
الوقت يمكن أن يعزى أولا إلى انخفاض قيمة وعدد الإصدارات التي يطرحها البنك
المركزي إضافة لأمور أخرى منها فقد الثقة في سوق مسقط بعد أزمته عام 1997، رغم أن
هذه السندات بلا شك تعتبر من الأوراق المالية الممتازة التي تنعدم فيها المخاطرة،
إلا أن الجهل بنشاط الاستثمار في الأوراق المالية من جانب فئة كبيرة في المجتمع
أدى إلى ذلك.
إن انخفاض
مستوى تداول السندات هذا دفع بالبنك المركزي إلى الاستعانة بأحد بيوت الخبرة
لدراسة وضع تداول السندات في السوق الثانوية، وإيجاد مخرج لتنشيط عملية التداول،
وكان من نتيجة ذلك أن خرج البنك المركزي بآلية جديدة وهي السماح بتداول السندات
الحكومية من خلال ما يسمى OTC (Over the Counter process) وذلك بالترخيص لبعض البنوك
التجارية والسماح لها بتنظيم وإدارة عمليات التداول، وربطها جميعاً مع البنك
المركزي من خلال وكالة الأنباء "رويترز" لتسهيل التعامل. الأمر الثاني
وهو الأهم يتعلق بالعائد على هذه السندات والذي يعتبر مرتفعاً، خاصة في ظل معدلات
السيولة المرتفعة وانخفاض أسعار الفائدة على الودائع مما يجعل حائزي هذه السندات
يتمسكون بها.
وفي أكثر
من مقابلة مع بعض المسئولين في البنك المركزي ووزارة المالية حول سبب انخفاض
إصدارات سندات التنمية الحكومية وأذون الخزانة، خاصة عندما يكون هناك فائض سيولة،
ووجود حاجة للاقتراض من أجل تمويل عجز الموازنة، بدلاً من الاقتراض الخارجي، أكد
هؤلاء على عدد من الأسباب أهمها انخفاض التنسيق الفعال بين البنك المركزي ووزارة
المالية فيما يتعلق بموضوع تمويل عجز الموازنة. أما حول موضوع وجود فارق (إن وجد)
بين سعر الفائدة على أوراق الدين الحكومية وسعر الفائدة على القروض الخارجية،
بانخفاض الأخير، فإن هذا يمكن معالجته عن طريق خفض سعر الفائدة على هذه الأوراق
دون أن يتأثر الإقبال عليها نظراً لانعدام المخاطرة التي تتميز بها.
وبذلك
يتبين لنا أنه من الأهمية بمكان الاستفادة من التجربة السابقة لأزمة سوق السندات
في إيجاد حلول مناسبة لتفعيل هذا المصدر من مصادر تمويل عجز الموازنة العامة
للدولة وأيضا كأسلوب فعال لامتصاص فائض السيولة في المجتمع، بحيث يتم تدارك أزمة هذه
السوق في ظل الأزمة المالية العالمية بشكل عام، وما تشهده سوق مسقط للأوراق
المالية منذ فترة من نكسة وتذبذب بشكل خاص، وذلك من خلال ما ذكر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق