الأحد، 2 سبتمبر 2012

عمليات السوق المفتوحة



عمليات السوق المفتوحة هي إحدى السياسات النقدية، يقوم بموجبها البنك المركزي بدخول سوق الأوراق المالية بائعاً أو مشترياً للأوراق المالية من جميع الأنواع وخاصة السندات الحكومية، وذلك بهدف خفض أو رفع قدرة البنوك التجارية على منح الائتمان. وقد يصل الأمر أحياناً ليشمل -إلى جانب الأوراق المالية- الذهب والعملات الأجنبية. وحقيقة فإن هذه الوسيلة لها أثر مستمر ومرن للغاية بحيث يستطيع أن يتلاءم مع الظروف اليومية. كما أن لهذه الوسيلة أمر إيجابي وهام للغاية ألا وهو دعم سوق رأس المال وكذلك التأثير على معدل الربحية في سوق الأوراق المالية، وذلك في حالة قدرتها على رفع الطلب على الأوراق المالية بالقدر الذي يؤثر على سعرها السوقي. وعلى العكس من ذلك فإن البنك المركزي إذا استطاع زيادة بيع الأوراق المالية في السوق بحيث يؤدى ذلك إلى زيادة المعروض منها وبالتالي انخفاض سعرها، حيث يؤثر الأخير على سعر الفائدة ومن ثم الرغبة والطلب على الائتمان.

إن تفعيل سياسة السوق المفتوحة في سلطنة عمان، لتلعب دوراً بارزاً في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة يتطلب التنسيق الكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بهدف تحقيق الكفاءة المطلوبة في إدارة الدين العام المحلي. وتؤكد الاتجاهات الحديثة على أهمية هذا التنسيق وأنه يعتبر عاملاً أساسياً وهاماً في تطور النظام المالي والائتماني والارتقاء بسوق رأس المال. بل أن الأمر لا يتوقف في الحقيقة عند مستوى المبررات التقليدية، فيما يتعلق بتطوير سوق رأس المال، مثل تعبئة المدخرات وتوفير فرص الاستثمار. بل يتعدى ذلك إلى أنه يرتبط بالتحول الذي يشهده اقتصاد السلطنة من تزايد الاعتماد على القطاع الخاص نتيجة تطبيق سياسة الخصخصة، مما يستدعي ضرورة السعي لرفع مستوى العمق اللازم لتلك السوق لتصبح قادرة على القيام بالدور الذي يتناسب مع متطلبات هذه المرحلة من مسيرة التنمية الاقتصادية إضافة إلى الاهتمام بالسوق النقدية.

ومن خلال استقراء الأرقام، يمكن القول أن هذه الأداة ليست مستخدمة بفاعلية في السلطنة وذلك لأسباب عديدة، سبقت الإشارة إلى بعضها في تحليلات سابقة مثل ضعف كفاءة سوق مسقط للأوراق المالية، وانخفاض مستوى تعامل البنوك في الأوراق التجارية. ولا شك أن سيولة هذه البنوك العالية واحتفاظها باحتياطيات نقدية كبيرة وتوجيه جل تلك السيولة للقروض الشخصية، هو أحد الأسباب في عدم ممارسة البنوك التجارية لعمليات إعادة خصم الأوراق التجارية، إضافة إلى الأسباب التي ذكرت سابقاً. وهذا بالطبع يعني ضآلة حجم الأثر الذي يمكن أن تحدثه سياسة السوق المفتوحة. وعليه فإن تنوع مكونات الحقيبة الاستثمارية للبنوك التجارية من شأنه تفعيل دور هذه الأداة.

كما أن عدم التنسيق الفعال بين السياسة المالية والسياسة النقدية كان ولا زال السبب وإلى حد بعيد في سلبية أداة السوق المفتوحة، وذلك فيما يتعلق بتمويل عجز الموازنة. فعلى مستوى التمويل قصير الأجل يلاحظ أن البنك المركزي قام باستخدام أذون الخزانة لمدة 182 يوم في عام 1999، وأما الأذون لمدة 364 يوم فلم تستخدم في الغالب. وكان يعتمد في معالجة العجز النقدي على القروض الخارجية قصيرة الأجل، إضافة إلى القروض متوسطة وطويلة الأجل لتغطية العجز المالي. كما لم تستخدم حتى الآن سندات الخزانة والتي عادة ما يتم استخدامها كأداة تمويل متوسطة الأجل، تمتد فترة سدادها بين سنة وخمس سنوات، وهي في الغالب تكون سندات لحاملها بحيث يمكن تداولها في سوق الأوراق المالية. وقد سبق الحديث عن انخفاض مستوى تداول سندات التنمية الحكومية في سوق مسقط للأوراق المالية، وهذا الانخفاض في حقيقة الأمر يمكن أن يعزى إلى انخفاض قيمة وعدد الإصدارات التي يطرحها البنك المركزي، إضافة لأمور أخرى منها فقد الثقة في سوق مسقط بعد أزمتيه الأولى والأخيرة، رغم أن هذه السندات بلا شك كما سبقت الإشارة إليه في تحليلات أخرى، تعتبر من الأوراق المالية الممتازة التي تنعدم فيها المخاطرة، إلا أن عدم الإلمام بنشاط الاستثمار في الأوراق المالية من جانب فئة كبيرة في المجتمع أدى إلى ذلك.

ومن الوسائل الأخرى التي تستخدم من أجل تنشيط وتعزيز السوق الثانوية لأدوات الدين العام، عمليات إعادة الشراء (Repo) . واستخدمت هذه الأداه من قبل البنك المركزي العماني منذ فترة حيث بدأت عمليات إعادة شراء أذون الخزانة في يناير 1999، وأما بالنسبة لسندات التنمية فكانت في أكتوبر 1999، ولا شك أنها ستسهم في تعزيز الطلب والتداول على هذه الأوراق، إذا ما تم تطويرها. ذلك أنها وحتى الآن لا تستخدم إلا كوسيلة لضخ السيولة عند الحاجة، حيث لا يمكن إجراء عمليات الريبو المعاكس. ولذلك فعلى البنك المركزي إذا ما أراد تفعيل هذه الأداة أن يسعى إلى إيجاد إطار قانوني ينظم عمليات إعادة الشراء وتطوير آليات كفء ومتطورة لتسوية معاملات الأوراق المالية.

وكحل من الحلول التي استخدمها البنك المركزي لمعالجة وتنظيم مستويات السيولة المرتفعة لدى البنوك فقد لجأ مع نهاية عام 1994 إلى استخدام آلية جديدة لتحقيق هذا الغرض وهى شهادات الإيداع. ولا شك أنها تعتبر خطوة إيجابية في طريق تطوير أدوات وآليات البنك للتحكم في مستويات السيولة، إلا أن هذه الآلية لازال استخدامها محدوداً.

أما شهادات الإيداع الحكومية والتي عادة تطرح من قبل الحكومة لتمويل عجز الموازنة، لم يعمل بها بعد رغم أهميتها في تنشيط السوقين المالي والنقدي، إضافة إلى كونها تمثل عامل جذب لمدخرات الأفراد والمؤسسات وصناديق التقاعد وبالتالي توفير التمويل اللازم للخزانة العامة محلياً. وعادة تكون تكلفة التمويل بهذه الأداة أقل من تكلفة التمويل باستخدام سندات التنمية الحكومية. وأما فيما يتعلق بشهادات الإيداع التي تصدرها البنوك التجارية للأفراد والتي تمتاز عن الودائع لأجل بقابليتها للتداول في السوق الثانوية، وبالتالي إمكانية بيعها قبل موعد استحقاقها، فإنها ليست مستخدمة كذلك.

الجدير بالذكر هنا أن طرح مزيداً من أدوات الدين العام بأسلوب مدروس -  ليس له آثار سلبية تذكر على الاستثمارات في المجالات الأخرى، وقد قام البنك المركزي بعدة دراسات، كان الدافع لإجرائها التخوف من أن تتسبب عملية إصدار سندات التنمية الحكومية نتائج أو آثار غير مرغوبة على الاستثمار بشكل عام، وكانت هذه الدراسات تؤكد وجود فائض سيولة يتميز به الاقتصاد العماني. ويؤيد ذلك استمرار هذا الفائض في السيولة لدى الجهاز المصرفي والاقتصاد بشكل عام.

كما أن ما يسمى بأثر المزاحمة (Growding-out Effect)، والذي قد يحدث عندما يكون هناك نوع من الضغط على الموارد المالية مع توفير فرص لحصول الحكومة على حصة من تلك الموارد لتمويل العجز، بحجة أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى مزاحمة الاستثمار الخاص في الأسواق المالية والنقدية غير وارد. ذلك أن الأرصدة الإقراضية التي يمكن للقطاع الخاص استخدامها ليست شحيحة، ويمكن الاستدلال على ذلك من ارتفاع مجموع ودائع البنوك التجارية، مقارنة بحجم الائتمان الاستثماري الموجه للقطاع الخاص. 

دور سوق مسقط للأوراق المالية في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة



لاشك أن وظيفة سوق الأوراق المالية في الأساس هي توفير المكان والوسائط التي تسهل الالتقاء بين الأشخاص الذين يبحثون عن تمويل ويطلق عليهم الأطراف ذوي العجز، مع أولئك الأشخاص الذين يبحثون عن فرص للاستثمار وهم الأطراف ذوي الفائض- أشخاص اعتباريين كانوا أم معنويين- ولذلك فإن وجود سوق أوراق مالية على درجة عالية من التنظيم والكفاءة في ظل نظام رقابي كفء يتيح انسياب الأموال من صغار وكبار المدخرين للأشخاص الاعتباريين الذين يرغبون في التمويل، مثل الحكومات وشركات المساهمة العامة. وعادة تكون الأداة التمويلية المستخدمة إما سند دين أو سهم، بمختلف أنواعها.
وتتكون سوق الأوراق المالية في السلطنة من عدد من الأسواق الفرعية وأهم تقسيم لهذه السوق، هو ذلك التقسيم الذي يقسمها إلى :
1 – سوق الأوراق المالية الحكومية.
2 – سوق الأوراق المالية الخاصة بالشركات.
وتعرف الأولى بأنها سوق الأوراق المالية الممتازة نظراً لانعدام مخاطر عدم السداد ، وهناك نوعين من الأوراق المالية التي تطرحها الحكومة هما سندات التنمية الحكومية وأذون الخزانة. وتستخدم أذون الخزانة كأداه للتمويل قصير الأجل، بينما تستخدم سندات التنمية للتمويل طويل الأجل، أما سوق الأوراق المالية التي تصدرها الشركات فهي وسيلة لتعبئة رأس المال طويل الأجل من الجمهور، ويشتمل تنظيم سوق الأوراق المالية على نظام خاص بالإصدارات الجديدة من الأوراق المالية ونظام آخر خاص بشراء وبيع الأوراق المالية القديمة. ويعرف الأول بالسوق الأولية ويعرف الثاني بالسوق الثانوية.
هذا وقد نشطت السوق الثانوية بعد إنشاء سوق مسقط للأوراق المالية عام 1989، وذلك بمقتضى قانون صدر بمرسوم سلطاني في يوليو 1988، والذي حدد الإطار القانوني لها، ولاشك أن إنشاء مثل هذا السوق من شأنه أن يضيف رافدا مهماً لاقتصاد السلطنة، سواء على مستوى تعبئة المدخرات أو توفير فرص للاستثمار، كما أن الحكومة تستطيع من خلال هذا السوق سد جانب كبير من عجز الموازنة العامة.
ويرى الكثيرون أن اللجوء إلى أدوات الدين العام المحلي من جانب الحكومة يمكنها من تمويل العجز بمدخرات حقيقية، ومن ثم لن يكن لهذا المصدر تأثير في نمو عرض النقود، الأمر الذي لا يسبب تأثيرا على المستوى العام للأسعار. كما أنه عند توفر التمويل اللازم للحكومة عن طريق سندات التنمية الحكومية تقل حاجتها للاقتراض من البنوك ومزاحمة القطاع الخاص، وبذلك فإن هذا الأسلوب في تمويل عجز موازنة الحكومة يعتبر مثالياً، خاصة حينما تكون السوق المالية نشطة، وتتوافر الثقة في الحكومة -وهذا العامل متوافر دون شك- وكذلك حينما يسود سعر فائدة حقيقي (سعر الفائدة الحقيقي هو السعر الصافي بعد طرح معدل التضخم) ومرتفع نسبياً. كما أنه يشترط لنجاح هذه السياسة وفاعليتها في تعبئة الموارد اللازمة لسد العجز توافر شروط أخرى مثل أن تكون القوة الشرائية للعملة الوطنية مستقره ، وأن تتوافر الفوائض المالية (المدخرات) لدى القطاعات المختلفة واستعداد هذه القطاعات لشراء أدوات الدين العام المحلي.
ونظرا لتراجع السوق بسبب الأزمة المالية الحالية والعامل النفسي السلبي الذي يعاني منه المتعاملون، وأهمية إيجاد الحلول المناسبة لإنعاش سوق السندات الحكومية بشكل خاص كمصدر هام من مصادر تمويل الموازنة العامة للدولة، وأهمية الاستفادة من دروس الأزمة السابقة لهذه السوق، سنتعرض فيما يلي إلى بيان أسباب تلك الأزمة، بغرض استخلاص وسائل العلاج المناسبة.
لقد تم الأخذ بأسلوب السندات الحكومية لتمويل عجز الموازنة العامة في السلطنة عام 1991. ومن المؤكد أن هذا الأسلوب يحقق مصدر إيرادات لتمويل العجز، مما يخفض من حجم الاقتراض الخارجي. كما أن الاقتراض من السوق المحلية بهذا الأسلوب لا شك أنه يؤدي إلى امتصاص فائض السيولة في الاقتصاد الوطني وإعادة ضخها عن طريق الإنفاق الحكومي بغرض تنشيط حركة الاقتصاد، خاصة في ظل ظروف تباطؤ النشاط الاقتصادي المحلي. كما أن هذا الأسلوب يوفر فرصا استثمارية جديدة للمدخرات المحلية، ويشجع رؤوس الأموال على البقاء داخل الاقتصاد.
 ولقد بدأ التداول في هذه السندات الحكومية عام 1992 وكان عدد السندات المتداولة آنذاك 65 ألف سند، ارتفع إلى 819 ألف سند عام 1993. ثم ينخفض في العامين التاليين، ليرتفع إلى 759 ألف سند عام 1996، ثم يتجه نحو الانخفاض خلال السنوات 97 و 1998، ليعاود الارتفاع عام 1999، ويصل إلى 795 ألف سند. ويمكن الإشارة هنا إلى أن القيمة الإجمالية للإصدارات الأول والثاني والثالث في عام 1991 لم تزد عن 40.6 مليون ريال، والإصدارات من 4-7 عام 1992 كانت حوالي 138 مليون ريال ، وهي أكبر قيمة لإصدارات السندات الحكومية، أخذت بعدها في التذبذب إلى أن وصلت 133 مليون ريال عام 1999، مع أن التدفقات من القروض الخارجية كانت مستمرة. بل أن عام 2000 لم تجاوز فيه القيمة الإجمالية للإصدارات عن 45 مليون ريال.

الجدير بالذكر أن انخفاض مستوى تداول سندات التنمية الحكومية في سوق مسقط للأوراق المالية في ذلك الوقت يمكن أن يعزى أولا إلى انخفاض قيمة وعدد الإصدارات التي يطرحها البنك المركزي إضافة لأمور أخرى منها فقد الثقة في سوق مسقط بعد أزمته عام 1997، رغم أن هذه السندات بلا شك تعتبر من الأوراق المالية الممتازة التي تنعدم فيها المخاطرة، إلا أن الجهل بنشاط الاستثمار في الأوراق المالية من جانب فئة كبيرة في المجتمع أدى إلى ذلك.
إن انخفاض مستوى تداول السندات هذا دفع بالبنك المركزي إلى الاستعانة بأحد بيوت الخبرة لدراسة وضع تداول السندات في السوق الثانوية، وإيجاد مخرج لتنشيط عملية التداول، وكان من نتيجة ذلك أن خرج البنك المركزي بآلية جديدة وهي السماح بتداول السندات الحكومية من خلال ما يسمى OTC (Over the Counter process) وذلك بالترخيص لبعض البنوك التجارية والسماح لها بتنظيم وإدارة عمليات التداول، وربطها جميعاً مع البنك المركزي من خلال وكالة الأنباء "رويترز" لتسهيل التعامل. الأمر الثاني وهو الأهم يتعلق بالعائد على هذه السندات والذي يعتبر مرتفعاً، خاصة في ظل معدلات السيولة المرتفعة وانخفاض أسعار الفائدة على الودائع مما يجعل حائزي هذه السندات يتمسكون بها.
وفي أكثر من مقابلة مع بعض المسئولين في البنك المركزي ووزارة المالية حول سبب انخفاض إصدارات سندات التنمية الحكومية وأذون الخزانة، خاصة عندما يكون هناك فائض سيولة، ووجود حاجة للاقتراض من أجل تمويل عجز الموازنة، بدلاً من الاقتراض الخارجي، أكد هؤلاء على عدد من الأسباب أهمها انخفاض التنسيق الفعال بين البنك المركزي ووزارة المالية فيما يتعلق بموضوع تمويل عجز الموازنة. أما حول موضوع وجود فارق (إن وجد) بين سعر الفائدة على أوراق الدين الحكومية وسعر الفائدة على القروض الخارجية، بانخفاض الأخير، فإن هذا يمكن معالجته عن طريق خفض سعر الفائدة على هذه الأوراق دون أن يتأثر الإقبال عليها نظراً لانعدام المخاطرة التي تتميز بها.
وبذلك يتبين لنا أنه من الأهمية بمكان الاستفادة من التجربة السابقة لأزمة سوق السندات في إيجاد حلول مناسبة لتفعيل هذا المصدر من مصادر تمويل عجز الموازنة العامة للدولة وأيضا كأسلوب فعال لامتصاص فائض السيولة في المجتمع، بحيث يتم تدارك أزمة هذه السوق في ظل الأزمة المالية العالمية بشكل عام، وما تشهده سوق مسقط للأوراق المالية منذ فترة من نكسة وتذبذب بشكل خاص، وذلك من خلال ما ذكر. 


السلوك الادخاري للأفراد في مجتمعنا - الواقع والحلول المقترحة



يقوم الادخار بدور رئيسي وهام للغاية في عمليات التنمية، في أي دولة، بحيث لا يمكن التصور – في أي لحظة من اللحظات – أن الجهود التنموية، سوف تستطيع تحقيق تنمية حقيقية تقوم على أسس راسخة، دونما توافر معدلات كافية من المدخرات الوطنية تتناسب مع معدلات الاستثمارات المستهدفة، بحيث لا تكون هناك فجوة إدخارية كبيرة، الأمر الذي يمكن معه المحافظة على تنمية مستدامة، وتفادي الاختلالات الاقتصادية التي تؤدي في النهاية إلى إضعاف الاقتصاد الوطني، ووهن في القطاعات الإنتاجية التي يعتمد عليها.
 وهذا بالطبع يتطلب أمور عدة منها تنمية الموارد الوطنية، وخفض الهدر فيها، وتعبئتها، ثم توجيها نحو تحقيق الأهداف والخطط المرسومة، وعلى هذا فإن التخطيط الاقتصادي يحتل مكانة بارزة وهامة في عملية التنمية الاقتصادية، فهو بمثابة الضوء الذي ينير الطريق لواضعي ومنفذي الخطط التنموية على حد سواء، وذلك في إطار سعيهم الدؤوب لإنجاح تلك الخطط، وصولاً إلى تحقيق الأهداف المنشودة.
ويسعى راسموا السياسة الاقتصادية في بلدنا المعطاء عند صياغتهم لتلك الخطط أن تكون قدر الإمكان معبرة عن طموحات الحكومة والجماهير فيما يتعلق بالتنمية والتطوير، وأن تتسم بنوع من التحدي عند التنفيذ، على ألا تكون مستحيلة لا يمكن تحقيقها، وأن تكون كذلك في حدود الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة للدولة.
وبما أن من الأمور المتعارف عليها أنه عند وصول الخطة إلى مرحلة التنفيذ يقع على عاتق المنفذين الدور الأكبر، والمسئولية العظمى، والتي يكونون بموجبها ملزمون بتحقيق تلك الأهداف على أتم وجه، وبأفضل السبل، وفي أقل وقت ممكن، وبأقل التكاليف.وعدم الالتزام بأي جانب من هذه الجوانب يقلل من كفاءة وفعالية التنفيذ، وبالتالي ينعكس سلبياً على أمور جمة، منها ما يتعلق بالهدف نفسه كأن يكون أقل جودة مما خطط له، وأخرى تتعلق بالتكلفة بحيث تكون كبيرة مقارنة بالمحقق، مما يعني تبديداً وإهداراً للموارد العامة، ويدخل في نطاق ذلك، تلك التكلفة الباهظة والمتمثلة في خدمة الدين العام والتي يتحملها الاقتصاد الوطني، نتيجة تدبير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريع تنموية لا تتناسب مع القدرة الإيرادية للحكومة، سواء دبرت تلك الموارد من مصادر داخلية أو خارجية، إلا أن الأخيرة لا شك أنها أكثر كلفة ومخاطرة.
 ومن هنا تبرز أهمية الرقابة على تنفيذ الخطط التنموية المرسومة للارتقاء بمعدلات الادخار المحلية والقومية ومقارنة المنفذ بالمخطط. ويقع ذلك كله على عاتق الإدارة الاقتصادية من خلال ما ترسمه من سياسات في هذا الصدد. وفي هذا السياق سبق وان أكدنا في تحليلات سابقة انخفاض معدلات الادخار في اقتصاد السلطنة. و ما من شك أن تدني معدلات الادخار المحلي في أي اقتصاد يمثل عقبة كبيرة أمام راسمو السياسة الاقتصادية في المضي قدماً نحو تحقيق الأهداف التنموية التي يصبوا إليها الجميع أفرادا وحكومة. وعند تعاظم هذه المشكلة نتيجة تدهور كبير في معدلات الادخار فعندها لن تملك الدولة إلا التضحية بطموحاتها والتوقف عن تنفيذ بعض خططها أو الاستعانة برؤوس الأموال الأجنبية، التي تثقل كاهل الاقتصاد الوطني.
لقد تبين من خلال مقارنة الإحصائيات والمؤشرات الاقتصادية بالواقع العملي أن من بين أهم العوامل المؤثرة في حجم المدخرات المحلية يمكن إيجازها فيما يلي:

أ- ارتفاع الميل للاستهلاك
نظرا لأن الإنفاق الاستهلاكي يستأثر بالشطر الأعظم من الدخل. إضافة إلى عامل التقليد والمحاكاة فإن كل ذلك له أثره الهام في زيادة الميل للاستهلاك والاستيراد، خصوصاً على السلع الترفيهية. وحول هذا الموضوع فقد طرحنا في تحليلات أخرى سابقة عدة حلول من بينها الحاجة إلى زيادة الوعي بالمشكلة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية. وحاجة المجتمع لبرامج مؤسسية تضع نصب أعينها إيجاد حلول جذرية وقابلة للتطبيق من خلال خطط وبرامج متكاملة محددة الأهداف والمراحل مسبقا.


ب- خروج رؤوس الأموال
ذلك أن البعض يفضل استثمار أمواله في دول أخرى بدلاً من استثمارها في الداخل لأسباب عديدة منها البحث عن معدل عائد استثمار أكبر، رغم أن المناخ الاستثماري في السلطنة مشجع وآمن دون شك. وما يمكن اقتراحه في هذا الصدد هو السعي لإيجاد بيئة استثمارية أفضل، وحث رجال الأعمال على تغليب المصلحة الوطنية. ولا شك أن ما تعرضت له الكثير من تلك الاستثمارات الخارجية مؤخرا من جراء الأزمة المالية هو خير برهان لإعادة النظر في تفضيل الاستثمار المحلي.
ج- نقص كفاءة منشآت الادخار
إذ أن وجود العدد الكافي من تلك المنشآت مع توافر الكفاءة بها، يجعل من اليسير لها تعبئة المدخرات ثم توجيهها نحو مختلف الاستثمارات المطلوبة.
د- الادخار السلبي
وهو صورة عقيمة من صور الاكتناز ويتمثل في تحويل رأس المال النقدي إلى صور بعيدة كل البعد عن أي شكل من أشكال الاستثمار المنتج. فإضافة إلى نقص الوعي بأهمية الاستثمار من قبل أعداد كبيرة من الأفراد أو الخوف من الفشل، فإن هناك عامل أهم من هذا كله يسهم إسهاما كبيرا في قضيتي الاكتناز وخروج رأس المال من الدورة الاقتصادية، وهو أن هناك شريحة كبيرة في المجتمع لا تفضل التعامل مع البنوك التقليدية بسبب عزوفها عن أخذ العائدات المترتبة على عمليات الادخار والاستثمار تلك.  بل أن هناك من يرى عدم التعامل مع تلك البنوك لأن ذلك من شأنه أن يعينها على المراباة.
عليه وإضافة إلى المقترحات السابقة فإن اتخاذ قرار بإنشاء بنوك إسلامية لا شك سوف يسهم ايجابيا في حل الكثير من قضايا تدهور المدخرات والاستثمارات الوطنية. 





مصادر تمويل فجوة موارد الموازنة العامة للدولة


هناك مقولة يرددها المفكرون والاقتصاديون دائماً، ألا وهي "الاعتماد على الذات" وفي حقيقة الأمر فإن ظهور هذه المقولة وكثرة تداولها في الفكر التنموي المعاصر لم يكن عن طريق الصدفة المحضة، بل ظهرت كرد فعل طبيعي لما آلت إليه أوضاع الكثير من الدول  من زيادة التبعية الاقتصادية للخارج. إلا أنه بالرغم من تزايد استخدامها في الكتابات المعاصرة التي ألفت في موضوع التنمية، وتداولها بكثرة في المؤتمرات والمحافل المحلية والدولية، فإنه من الملاحظ أن البعض قد أساء فهمها، ذلك أنهم نظروا إليها على أنها مرادف لمقولة الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي وقطع العلاقات مع العالم الخارجي وغير ذلك من ادعاءات خاطئة وشتان بين الأمرين.

إن هذه المقولة ما هي إلا نقيضاً لمقولة "الاعتماد على الخارج"، والاعتماد على الخارج بشكل دائم هي الإشكالية التي تطرح عادة وتوضع موضع الدراسة، سواء كان هذا الاعتماد الدائم في مجال التمويل التنموي أو في مجالات أخرى، إلا أن الأول هو المقصود هنا.
فعندما يواجه المجتمع فجوة في موارده المحلية، بحيث لا تستطيع هذه الموارد تحقيق معدلات الاستثمار المستهدفة، يكون أمام هذا المجتمع ثلاثة خيارات لحل هذه الإشكالية ألا وهي:
الخيار الأول: أن يرتضي معدلاً أقل للنمو في حدود ما تسمح به موارده المحلية.
الخيار الثاني: أن يعمل المجتمع على تعبئة فائضه الاقتصادي الكامن في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني بهدف زيادة معدلات الادخار.
الخيار الثالث: أن يلجأ المجتمع إلى مصادر التمويل الخارجي مثل القروض الخارجية وذلك لسد فجوة الموارد المحلية.
ويمكن القول أنه فيما يتعلق بالخيار الأول، فإنه يعني إبطاء عملية التنمية، وأما الخيار الثاني وهو محاولة التعبئة الرشيدة للفائض الاقتصادي الممكن فهو يرتكز على التفرقة بين مفهومين للادخار، الادخار الفعلي وهو عبارة عن الفرق بين حجم الناتج المحلي الإجمالي وحجم الاستهلاك القومي الجاري، والادخار الكامن أو الممكن المتمثل في الفرق بين الناتج القومي الإجمالي الذي يمكن إنتاجه في ظل ظروف اقتصادية وفنية معينة، باستخدام الموارد المتاحة أفضل استخدام ممكن ، وبين ما يعد استهلاكاً ضرورياً ورشيداً ، مما يجعله أكبر بكثير من الادخار الفعلي. وتحقيق الادخار الكامن هذا، يلزم الاعتماد على دعامتين هما:
أولاً: الاستغلال الأمثل للموارد المحلية المتاحة والممكنة للوصول بمستويات الاستثمار والتوظف والإنتاج إلى حدودها القصوى.
ثانياً: الاستهلاك الرشيد، بقسميه العام والخاص بغرض حماية الموارد المحلية من التبديد والضياع وتنميتها باستمرار.
وأما الخيار الثالث لسد فجوة الموارد فهو الاعتماد على التمويل الأجنبي بمختلف أنواعه، وهو أمر يبدو للوهلة الأولى أسهل الخيارات الثلاثة إلا أنه ليس كذلك لعدة أسباب منها:
1-    تكاليفه الباهظة.
2-    يعتبر مصدر غير دائم.
3-    له آثار سلبية على معدلات الادخار المحلية.

           كما أنه في ظل الأزمة المالية العالمية حاليا فمن المرجح أن عمليات التمويل من خلال الاقتراض الأجنبي لا شك ستتسم بنوع من الصعوبة المتمثلة في شروطه ( سعر الفائدة وفترة السماح وعمر التسهيل ....الخ) ، وذلك كانعكاس لهذه الأزمة، بمعنى آخر صعوبة تدبير موارد للتمويل بدون تضحيات كبيرة، خاصة إذا ما تم اللجوء إلى ما يسمى- وفقا لتصنيف مصادر القروض المتعارف عليه- ب "المصادر الخاصة" وهي البنوك وشركات التمويل الخاصة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة على ذلك النوع من القروض والمغالاة في شروطها الأخرى .

  وعند حدوث عجز بموازنة الحكومة لابد لنا من البحث عن مصادر لتمويله،  وما دمنا لا نؤيد الخيار الأول من خيارات معالجة فجوة الموارد المذكورة في بداية السطور لأنها تمثل إبطاء لعملية التنمية، وبعد أن عرفنا مخاطر ومصاعب اللجوء إلى الخيار الثالث  فأمامنا إذن الخيار الثاني. ويأتي الترشيد في الإنفاق الحكومي بين أساليب تنفيذ هذا الخيار على رأس القائمة، لأنه بلا شك من الأمور الهامة التي يجب التعويل عليها لتخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة، وأساليب وطرق الترشيد كثيرة ومتعددة. ولأن معدل كبير من ارتفاع مستوى الإنفاق الحكومي يتمثل في ارتفاع تكاليف المشاريع الحكومية فيمكن القول أن تطبيق سياسة ترشيد الإنفاق عليها يأتي ضمن أهم الأساليب و يمثل مطلب أساسي وحتمي، بل وعاجل. لا نريد الخوض كثيرا في مسألة ارتفاع أسعار العطاءات المقبولة في مناقصات المشاريع العامة فقد كثر الحديث عنها وباتت معروفة وملموسة لمعظم الناس، بل نعرج لما هو أهم من مجرد الشكوى والتذمر ونطرح التساؤل التالي:  ألا توجد بالفعل حلول عملية يمكن اللجوء إليها لكبح جماح معدل النمو -غير المبرر- في تكلفة مشاريعنا التنموية ؟
نعم هناك حلول يمكن التطرق لأحدها ولكن قبل ذلك أرى انه لابد من الإشارة إلى أن الأسس و القوانين واللوائح المالية المعمول بها في ِشأن المناقصات الحكومية في سلطنة عمان تتضمن الكثير من الحلول لو تم تفعيلها وأن المشرع العماني لم يتوان في طرح تلك الحلول . والآن عودة إلى موضوع الحل فليس هو أكثر من اللجوء لتبني إحدى سياسات الخيار الثاني المذكور في السطور السابقة، وتفعيل ذلك يمكن أن يكون بعدة أساليب احدها هو الذي نعول عليه كثيرا، وهو بإيجاز يعتمد على تفعيل مبدأين أساسيين أولاهما مبدأ "مقارنة التكلفة بالعائد" وثانيهما كما يقول الاقتصاديون "تحقيق أقصى منفعة(المخرجات) من المدخلات المستخدمة".

        المبدآن المذكوران كحل لهذه المشكلة يمكن بكل يسر ترجمتهما في مشروع متكامل باستخدام أساليب عملية تقنية وتنظيمية ناجحة إلا أن مقالا كهذا بلا شك لا يمكن أن يستوعب تفاصيله.

         


قضايا اقتصادية والتدخل الحكومي المرجو



نؤمن إيمانا كاملا بضرورة تبني السياسات اللازمة نحو الوصول لاقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص دورا هاما وقويا في الأداء الاقتصادي، لما لهذا النهج من نتائج طيبة، والمتمثلة في الانعكاسات الإيجابية على الاستخدام الأمثل والكفء للموارد الاقتصادية القومية. إلا أنه في المقابل لابد من التطرق إلى مسألة غاية في الأهمية تؤكدها الدراسات الاقتصادية وهي أهمية التدخل المدروس في ذلك الاقتصاد كشرط أساسي لنجاحه في تحقيق تنمية مستدامة والارتقاء بمستوى توزيع الدخل بين أفراد المجتمع وغيرها من الأهداف المخططة.

فوفقا للكثير من تلك الدراسات فقد مر موضوع تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية بعدد من المراحل، اختلف هذا الدور في كل مرحلة من تلك المراحل. وعامة يمكن القول أن الاتجاه العام في مسار هذه المراحل كان زيادة دور الحكومة وتدخلها في الأنشطة الاقتصادية وذلك لما تملكه من إمكانيات مالية ومؤسسية، إضافة لذلك فقد ساهمت آراء بعض الاقتصاديين في إبراز أهمية هذا الدور، ولم يمض وقت طويل حتى اتسعت مسئوليات الحكومة فشملت إلى جانب توفير الخدمات الأساسية، المشاركة في النشاط الاقتصادي.
هذا وقد تمكنت الحكومات من القيام بمسئولياتها التنموية بسبب التطور المذهل في الأدوات النقدية والمالية التي أصبحت تستخدمها لتحقيق الاستقرار، وبما يضمن استمرار تعبئة الموارد المالية اللازمة من خلال سيطرتها على النظام النقدي وأسواق المال. بل أصبح هذا التدخل ضرورة حتمية من أجل حماية مستوى النشاط الاقتصادي والدخل القومي، وأنه في غياب هذا الدور تتعرض اقتصاديات الدول إلى مشاكل عديدة مثل التضخم، والانكماش...الخ.
أما حول بعض الآراء التي تناصر فكر الاقتصاديين التجاريين فيمكن القول أنها تعود إلى عدد من القرون إلى الوراء؛ حيث ظهور تلك الأيدلوجيات ابتداء من القرن الخامس عشر وذلك بعد موضوع ارتفاع الأسعار في الدول الأوربية بسبب زيادة تدفق المعادن النفيسة إلى اقتصاديات تلك الدول، الأمر الذي جعل هذه الدول تعطي أهمية بالغة لتوازن موازين مدفوعاتها مما جعلها تهتم بزيادة الإنتاج لتحقيق فائض للتصدير للمساهمة في زيادة تدفق المعادن النفيسة إلى الداخل، ولذلك كان اهتمام التجاريين منصب على التجارة الخارجية، الأمر الذي جعلهم ينادون بأهمية النشاط التصديري. و طالبوا بتحسين وسائل النقل البرية والبحرية كما نادوا بمبدأ الحرية الاقتصادية وعدم تدخل الحكومة في الشئون الاقتصادية.
وكنتيجة لذلك ساد الظن بأن كل فرد أجدر على تحقيق مصلحته وأن المصلحة ليست إلا مجموع مصالح الأفراد، الأمر الذي قلص دور الحكومة إلى مجرد اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية مصالح الأفراد داخلياً وخارجياً. أما أفكار ما يسمى ب "المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية" والتي سادت قبل الثلاثينيات من القرن الماضي على بعض الأفكار مثل وجود قوى ذاتية مصححة قوية تمنع حدوث فترات الركود الطويلة في الاقتصاد، وأن الاقتصاد في ظل نظام السوق لديه الآلية الذاتية لإعادة توازنه، وأن تلك القوى تستطيع التغلب على الهزات التي تحدث بالاقتصاد وتحركه نحو التوازن العام؛ فإنها قد دحضت. فبرغم احتلال فكرة التصحيح الذاتي للاقتصاد القومي أفكار الاقتصاديين فترة طويلة من الزمن فإن حدوث مشكلة الكساد الكبير عام 1929 م قدم دليلا قاطعا على عدم صحة النظرية الكلاسيكية في هذا الجانب خاصة بعد عجز اقتصاديات الدول عن إعادة توازنها بطريقة آلية، كما كان يدعى أولائك.
وبما أنه لم يكن هناك بد من تدخل الحكومات في إنقاذ اقتصادياتها وإلا تفاقمت أزمة الكساد، فقد تأكدت بما لا يدع مجال للشك أهمية تدخل الحكومة في الأنشطة الاقتصادية، وتطلب بالفعل علاج تلك الأزمة التدخل الفعلي الإيجابي والمدروس للحكومة وإعادة التوازن الهيكلي المختل. هذا التوجه تمثل فيما نادت به النظرية الكينزية. ورغم التحفظ من جانب الكثير من الاقتصاديين- وهو ما نجد لدعمه مبررات كثيرة كذلك- على التدخل الواسع؛ فإن التدخل الضروري والمدروس هو أمر لابد منه.  
ففيما عدا الخدمات العامة كالأمن والدفاع والقضاء وغيرها، والتي يجب على الحكومة أن تضطلع بها، فإننا بلا شك لا نعني بما ذكر من تدخل تبرير قيام الحكومة بمزاولة عمليات الإنتاج المباشر للسلع والخدمات بكل ما تعني الكلمة. إلا أن  للحكومات دوراً هاماً وأساسياً في إدارة الاقتصاد الكلي على النحو الذي يكفل الاستقرار السعري والتوازن الخارجي والتوظيف والعدالة في التوزيع ومنع الاحتكارات الخاصة، حتى في ظل نظام الاقتصاد الحر، وهو ما يعني ذلك التدخل الحتمي والمخطط في الحياة الاقتصادية بحيث لا يمنع تدخلها هذا قوى السوق من أن تعمل بطريقة صحيحة، وفي نفس الوقت يتسنى لها إدارة دفة الاقتصاد بما يتلاءم مع أهدافها التنموية. لقد أثبتت الدراسات أن الاتجاه نحو الاقتصاد الحر المطلق (الليبرالي) والذي بدأت بعض الدول تتجه إليه منذ منتصف الثمانينيات، له مجموعة من العيوب و الاختلالات التي استدعت تدخل تلك الدول من أجل إيجاد العلاج الملائم لها، وذلك من خلال السياسات الاقتصادية والتشريعية المناسبة.
وبشكل عام تشير بعض الدراسات إلى أن عيوب واختلالات النظام الاقتصادي الحر المطلق تكمن في عدد كبير من القضايا أهمها ما يلي:
1-  الاحتكار.
2-  تلوث البيئة.
3-  ارتفاع أسعار السلع.
4-  التهرب الضريبي.
5-  الغش التجاري والصناعي.
6-  ضعف معدل النمو الاقتصادي.
7-  تعرض الاقتصاد لموجات الرواج والكساد...الخ.
وكان ولازال الأمل لمعالجة تلك العيوب أو للتخفيف من آثارها في الإجراءات والأنظمة والسياسات الحكومية. فلا شك أن التطور في الأدوات والوسائل التي يمكن أن تستخدمها السلطات الحكومية والمتمثلة في السياسات لاقتصادية بشكل عام وأهمها السياسات النقدية والسياسات المالية، بالإضافة للسياسات التشريعية، قد ساعد في زيادة كفاءة تلك الوسائل بحيث يمكنها تأدية مهامها تجاه تصويب الاختلالات التي يفرزها ذلك النظام الاقتصادي.
واستنادا إلى ما سبق فإن ما يثار في هذا الجانب من مغالطات بعدم صحة التدخل الحكومي لمعالجة عدد من القضايا الاقتصادية مثل ارتفاع الأسعار والاحتكار وغيرها، من خلال تبني سياسات نقدية ومالية وتجارية بحجة كون اقتصادنا اقتصاد حر ليس لها ما يبررها في الواقع العملي.
فعلى سبيل المثال فإن عدم انخفاض الأسعار على الكثير من السلع والخدمات الضرورية أمر بحاجة لمعالجة. إن هناك حقيقة لابد من التطرق إليها أولا وهي أن انخفاض أسعار تلك السلع والخدمات لمستويات أقل بعد زوال مسببات ذلك الارتفاع هو الأمر الطبيعي، وأنه من الثابت أيضا أن حفز تلك الأسعار نحو الانخفاض يمكن تحقيقه، وذلك من خلال تبني عدد من الأساليب والسياسات الاقتصادية (نقدية ومالية وتجارية) إضافة إلى السياسات التشريعية. وبشكل عام فإن الظاهرتين الاقتصاديتين المشار إليهما في السطور السابقة، إضافة لتأثرهما بعوامل تكمن جذورها في المعروض النقدي وسياسة توزيع الائتمان في الاقتصاد خاصة تلك المتعلقة بشريحة القروض الاستهلاكية وتلك التي يتم منحها لأغراض استثمارية ويساء استخدامها من جانب الأفراد في أغراض استهلاكية، بالإضافة للأمور التشريعية؛ فإنهما في الغالب تتبادلا التأثير السلبي والايجابي على بعضهما البعض.